رسومات على ريش الطيور 195814.png

lundi 30 janvier 2012

للريف سحره

      ما كنت أعلم أنّ للريف وقع السّحر ، وما كنت أعتقد أنّي سأقع في هواه أنا الذي فتر حماسه كلّما كانت الوجهة زيارة منطقة ريفيّة و تزاحمت في عقله أفكار مسبقة تصوّر الرّيف تصويرا تنفر منه نفسي و لا يجد صداه إلى قلبي سبيلا .
        و الآن و قد عرفت حقيقة كنت أجهلها و استحسنت واقعا كنت أستهجن عناصره صار الرّيف عندي مرتعا للخيال و مسرحا للرؤى و ملعبا للأحلام و الأماني . كم هو جميل أن يكتشف الإنسان حقيقة الأشياء بنفسه وكم هو مفيد أن يقتنع بقيمة تلك الأشياء اقتناعا ذاتيا .   
       زيارتي للريف كانت أقرب إلى مغامرة شائقة عدت منها غانما رغم المصافحة الضبابيّة التي تمّت بعد الغروب و بعد أن أسدلت الظلمة ستائرها الداكنة على الكون وجعلتني أجهد النّفس في تصوّر ملامح وجه لم أكن متحمّسا جدّا، والحقّ يقال، للتطلّع فيها. 
     مع أوّل أشعّة أرسلتها شمس محتشمة بدأت جولتي في رحاب طبيعة آسرة لا أخفي أنّى شعرت ببعض الفراغ و انتبهت إلى ما تصطبغ به الحياة من بساطة تصل حدّ التّهميش و شدتني سذاجة ماكنت أحسب لها حسابها ورغم هذا وذاك فقد أحسستُ بإلف    و جاذبيّة هل تراها البساطة التي استهوتني و أنستني تعقيدا طالما تأففتُ منه ؟ أم تراها البراءة أغرتني فلم أعد أنتبه إلى النّقائص التي لا أنكر وجودها و التي تحزّ في نفسي كثيرا و تكرهني على اتّهامهم  مسؤولين لم تسم بهم مناصبهم عن التفكير في الذات        و خدمتها قبل كلّ شيء ؟
    أحببتُ في الريف امتداده و انبساطه أحببتُ فيه وهداته وهضباته ،لا تتشابك فيها المسالك و الطّرقات و لا تملأ فضاءها الأدخنة و الضجيج و لا تعلو فيها الأصوات باللعن و الشتم .. أحببت في الرّيف الحقول و البساتين بزرعها وشجرها بخضرة تنتعش لرؤيتها نفس فلاّح لاتعرف اليأس و يثغو لها  قطيع يرعى في أمان واطمئنان لا يعرف معنى الخوف من الغد.
    أحببت في الريف عطر تربته ، و أريج زهرته ،وحلاوة ثمرته ، أحببتُ فيه خرير ماء تسيل به السواقي ملتوية متعرّجة ، و حفيف أوراق تترنّح مع هبّات نسائم خريفية عليلة ، أحببتُ فيه زقزقات ترسلها أطيار لعوب و صوت مزمار يصلني من بعيد لامس به العازف حدود الإبداع . أحببت أغنية تترنم بها ريفية انحنت أمام موقد تقليدي تعالج دوائر من العجين تلصقها في مهارة و خفّة على الجدار الداخلي للفرن .
    أتأمّل أفنان الأشجار و قد أثقلتها الثمار فتقوّست و تدلّت تدعو يد قاطف تنامت شهوته فأقول : هذا جهدك أيّها الفلاّح فأبشر بقطاف سخيّ و أميل برأسي متابعا ميسان زرع تطاولت أعناقه و امتلأت سنبلاته فأقول : هذا دليل عزمك و إخلاصك و عنوان جدّك و اجتهادك يا زارع الخير فاهنأ بحصاد وفير . و أتابع قطيع الأغنام و قد تهادى ينتقي من الأعشاب ما يروق فأقول هنيئا لك أيّها الرّاعي الأمين هذا برهان جديد على التّفاني في أداء المسؤولية و حسن الرّعاية .
     مشيت في مسالك الرّيف ساعات مشية من لم يحمل همّا من هموم الحياة ، مشية المتنزّه المسحور بل المتأمّل المحبور ، نسيت المسافات و الوعور و لم أنتبه لغير روائع التّكوين فقد استهواني المكان فيما أظنّ . أميل في مشيتي مترنحا ترنّح من أسكره رقيق اللّحن و شذيّ العطر و جميل الشّكل أحاذر أن أدوس طراوة البساط العشبيّ أكاد أسير في الهواء رويدا رفقا بكائنات دقيقة أغدقت عليها الطبيعة خيرا عميما .فيا للعطاء اللامحدود ويا للجود اللامتناهي .
أبطأت في المشي متعمّدا و كأنّي أريد ايقاف الزمن و المراوحة في المكان و لسان حالي يردّد :    
       "سعيد من أدرك عمق الرّيف فأزاح عن عينيه غشاوة الجهل للأشياء وعن عقله صلف الأحكام المسبقة . سعيد من أدرك كنه الرّيف فعرف معاني العزم و الحزم وفضل القناعة والايثار ."


         

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire