غريب أمرنا ، نقول ما لا نفعل و نأنس بما كنا نكره و نحمد ما كنّا نعيب ، غريب أمرنا و نحن نتحوّل من موقع المحكوم المضطهد إلى منصب المسؤول المستبدّ . عجبنا كان شديدا ممّـن جعل الإعلام بوقا ينشر آراءه و يكيل له المدائح و يكثر التنويه و يدفع عنه قليل اللّوم ولا يرضى له ألوان العتاب الباهتة ..
و استغرابنا كان عظيما ممّـن أخلى السّاحة من فرسان الرّأي و أباحها لمتعثّرين لم تسعفهم قرائحهم و لم تمكّنهم صناعتهم من فرض ذواتهم لمتطفّلين يحاولون الظهور بزيّ المحترفين تتعثر أقلامهم لضيق آفاقهم وقلّة باعهم .

كنّا نتساءل عن مدى استعداد رجل الإعلام للتّعامل مع الخبر بمهنية دقيقة تقتضي ما تقتضيه من تدبّر و تتبّع و استقصاء و تحرّ و حيادية و موضوعيّة و لم نكن نتصوّر أنّ الرّغيف يطيب مع الموالاة و المحاباة وما خطر بالبال أنّه ينسي محترف الإعلام أمانة هي الحلية الأقدس من كل مطلب و صدقا هوالخلّة الأرفع من كل غاية أنّه ينسى أنّ الوفاء يكون للقلم لا للمنعم ، فكم من إعلاميّ سخّر أداته لخدمة الذات بخدمة صاحب النعمة ، وكم من إعلاميّ بحياده عن واجبه أربك الحياة و الأحياء و أضرّ بقضايا الناس الحارقة بالسكوت مرّة و بالتّجاهل حينا و بالتّشويه و التمييع طورا .
إنّ النّزاهة لا تتبلور إلاّ في مناخ حرّ ، و الحرّية التي حلم بها الجميع لم تعد حلما يتبخّر مع طلوع الفجر و إنّما هي حقيقة غالية و جب صونها و الدّفاع عنها . فليس بإعلاميّ من أغرته المطامع فانساق وراءها يرضي حاكما كان الأولى أن يكشف تناقضاته و لا يسكت عن زلاّته و يلهث وراء مصلحة كان بالوسع بلوغها بالانتصار إلى الحقّ و نبذ الانتهازيّة . وليس بإعلاميّ من قدح و عيّر و شوّه و ليس بإعلاميّ من كتب ليثير فتنة لا ليطفئ نارها و يقي الناس سعيرها . الحرفية و الحياد ، النّزاهة و الموضوعية هي القواعد الأساسيّة التي لا يجوز لحامل القلم و ماسك المصدح و الضاغط على الأزرار و ملتقط الصورة و راسم الكاريكاتور أن تغيب عن ذهنه.
لا بأس أن تصبح السلطة الرّابعة مزعجة لتشريع على المقاس أو لقضاء المكاييل المختلفة أو لتنفيذ يتحكّم فيه الهوى لا بأس أن تنكأ الجروح و تؤلم لأنّ القصد إسكات الألم باستئصال العلّة التي تسكن الجسد . لا بأس بكيّ يقضي على التعفّن و لأجل ذلك و غيره ينبغي أن يجرّم من كمّم الأفواه و خنق الحرّية من منع النّقد و حجّر التدبّر من أقصى حرّا و قرّب مناشدا مصانعا . ولا ينبغي التغافل عن مسؤولية من حرّض و اختلق وزاغ بالخبر و أثار و فتن .إنّ مسؤولية رجل الإعلام عظيمة لأنّ نتاجه قد يبني به العلاقات المتينة ويزرع في القلوب مشاعر الأمل و التفاؤل والاطمئنان و قد يقوّض المبنيّ فتتوتّر العلاقات و يتسلّل إلى القلوب الشكّ و الخوف و التشاؤم بل و الكراهية وهكذا يعرّض حياة الناس للخطر فليس أصنع للعقول والآراء في هذا العصر من الإعلام .
فلينصت الانسان إلى عقله فهو عقاله يمنعه ويمنع عن غيره الأذى وإنّ من أنفع الأشياء للإنسان أن يعرف قدر منزلته من عقله وليتذكّرقول الشّاعر
ذو العقل يشقى في النّعيم بعقله
و أخو الجهالة في الشّقاوة ينعم ُ

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire