رسومات على ريش الطيور 195814.png

lundi 23 janvier 2012

السلطة الرابعة

af3al
      غريب أمرنا ، نقول ما لا نفعل و نأنس بما كنا نكره و نحمد ما كنّا نعيب ، غريب أمرنا و نحن نتحوّل من موقع المحكوم المضطهد إلى منصب المسؤول المستبدّ . عجبنا كان  شديدا ممّـن جعل الإعلام بوقا ينشر آراءه و يكيل له المدائح و يكثر التنويه و يدفع عنه قليل اللّوم ولا يرضى له ألوان العتاب الباهتة ..
و استغرابنا كان عظيما ممّـن أخلى السّاحة من فرسان الرّأي و أباحها لمتعثّرين لم تسعفهم قرائحهم و لم تمكّنهم صناعتهم من فرض ذواتهم لمتطفّلين يحاولون الظهور بزيّ المحترفين تتعثر أقلامهم لضيق آفاقهم وقلّة باعهم .
     كنا نعجب من فعل إعلاميّ نراه رديف تعتيم و مغالطة تمارسه سلطة تعتقد أنّ استمراريتها تقتضي ذلك ، وأنّ هيبتها لن تحفظ و صورتها لن تلمّع ما لم يكن الإعلام في خدمتها و ما لم يكن الإعلاميّ يدور في فلكها لذلك ترصد  الأموال وتقيم المؤسّسات وتنتقي المسؤولين المخلصين وتشتري الذّمم في الدّاخل و الخارج . كنا نتساءل كيف يعقل لحامل رسالة خطيرة تصنع الرأي و تبني الموقف  ، كيف له أن يطوّع القلم فيسوّق و يروّج لا يضيره أن يتنكّر لوظيفته السّامية السّاعية إلى نحت إنسان يقرأ ليفهم  ليزداد فهما لينقد ليميز الخبيث من الطيّب ، إنسانا يبدي الرأي الحرّ في ما يعرض عليه  يقبل حين يرضى و يرفض حين لا يقتنع.
    كنّا نتساءل عن مدى استعداد رجل الإعلام للتّعامل مع الخبر بمهنية دقيقة تقتضي ما تقتضيه من تدبّر و تتبّع و استقصاء و تحرّ و حيادية و موضوعيّة و لم نكن نتصوّر أنّ الرّغيف يطيب مع الموالاة و المحاباة  وما خطر بالبال أنّه ينسي محترف الإعلام أمانة هي الحلية الأقدس من كل مطلب و صدقا هوالخلّة  الأرفع من كل غاية أنّه ينسى أنّ الوفاء يكون للقلم لا للمنعم ، فكم من إعلاميّ سخّر أداته لخدمة الذات بخدمة صاحب النعمة ، وكم من إعلاميّ  بحياده عن واجبه أربك الحياة و الأحياء و أضرّ بقضايا الناس الحارقة بالسكوت مرّة  و بالتّجاهل حينا و بالتّشويه و التمييع طورا .
    إنّ النّزاهة لا تتبلور إلاّ في مناخ حرّ ، و الحرّية التي حلم بها الجميع لم تعد حلما يتبخّر مع طلوع الفجر و إنّما هي حقيقة غالية و جب صونها و الدّفاع عنها . فليس بإعلاميّ من أغرته المطامع فانساق وراءها يرضي حاكما كان الأولى أن يكشف تناقضاته و لا يسكت عن زلاّته و يلهث وراء مصلحة كان بالوسع بلوغها بالانتصار إلى الحقّ و نبذ الانتهازيّة . وليس بإعلاميّ من قدح و عيّر و شوّه و ليس بإعلاميّ من كتب ليثير فتنة لا ليطفئ نارها و يقي الناس  سعيرها . الحرفية و الحياد ، النّزاهة               و الموضوعية هي القواعد الأساسيّة التي لا يجوز لحامل القلم و ماسك المصدح          و الضاغط على الأزرار و ملتقط الصورة و راسم الكاريكاتور أن تغيب عن ذهنه. 
    لا بأس أن تصبح السلطة الرّابعة مزعجة لتشريع على المقاس أو لقضاء المكاييل المختلفة أو لتنفيذ يتحكّم فيه الهوى لا بأس أن تنكأ الجروح و تؤلم لأنّ القصد إسكات الألم باستئصال العلّة التي تسكن الجسد . لا بأس بكيّ يقضي على التعفّن و لأجل ذلك و غيره ينبغي أن يجرّم من كمّم الأفواه و خنق الحرّية من منع النّقد و حجّر التدبّر من أقصى حرّا و قرّب مناشدا مصانعا . ولا ينبغي التغافل عن مسؤولية من حرّض و اختلق وزاغ بالخبر و أثار و فتن  .إنّ مسؤولية رجل الإعلام عظيمة لأنّ نتاجه قد يبني به العلاقات المتينة ويزرع في القلوب مشاعر الأمل و التفاؤل والاطمئنان و قد يقوّض المبنيّ فتتوتّر العلاقات و يتسلّل إلى  القلوب الشكّ و الخوف و التشاؤم بل و الكراهية وهكذا يعرّض حياة الناس للخطر  فليس أصنع للعقول والآراء في هذا العصر من الإعلام .
    فلينصت الانسان إلى عقله فهو عقاله يمنعه ويمنع عن غيره الأذى وإنّ من أنفع الأشياء للإنسان أن يعرف قدر منزلته من عقله وليتذكّرقول الشّاعر 
               ذو العقل يشقى في النّعيم بعقله 
                       و أخو الجهالة في الشّقاوة ينعم ُ



Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire