" ليست جميع الحضارات متساوية " عبارة لا يذكرها إلاّ متحامل ، و لايتباهى باستعراضها في المحافل الخاصّة ليشحن بها الهمم المتعالية و يثير بها الضغائن المحتقنة إلا متحامل كذلك لا يرضيه أن يسود الطبقة المثقّفة شعور بالتسامح وأن يكون المثقّف أوّل الدّاعين إلى نبذ التعصّب .فهل نحن في حاجة إلى قيس الحضارات و تفضيل بعضها على بعض ؟ وهل من الحكمة و المنطق القول بتفاضل الحضارات و الثقافات ؟
ما تزال مثل هذه التصريحات المقصودة و مثل هذه الجمل المنتقاة التي يجهد بعض السّاسة أنفسهم في انتقائها ليكشفوا عن " عنصرية" وعن " كراهيّة " مقيتتين تطفو على السّاحة تزرع الفتنة و تثير الشّقاق فبمناسبة و بغير مناسبة يطلّ علينا مسؤول من الدّرجة الرّفيعة ليذكر قومه بأنّ أحفاد "نابليون" هم وحدهم الذين لا تتضوّع رائحة العرق من تحت آباطهم وإن أجهدوا أجسادهم في الرقص . وأنّهم قادرون على تحمّل الأجنبي المهاجر إن كان واحدا فإن صار الواحد كثرة حصل الإشكال و ساءت الأحوال ففرنسا ليست مستعدّة لاحتضان فقراء العالم وشارعها لا ينبغي أن يتحوّل بأيّ حال من الأحوال موضع سجّاد لأنّ للصلاة بيتها أو متجوّل محجّبة لأنّ للمحجّة بلادها .ومن العار أن تبيع المحلات التّجاريّة الكبرى لحوما حلالا أو أن تفكّر أقلّية مسلمة في مدينة المسيحيّ "اللائكية " فى بناء بيت للعبادة.
مثل هذه العبارات صارت قاسما مشتركا لساسة من اليمين الذين يقلقهم أن تنهض الشعوب العربية و الاسلامية من سباتها و ترفض شعوبها التّبعيّة المجانيّة و تطالب بموقعها الحقيقيّ في المنظومة الدّوليّة . ألم يشنّف "برلسكوني" أسماعنا يوما بأنّ الحضارة الغربية أرقى الحضارات و لا سبيل إلى التعامل مع من لم يعتنقها ؟ ألم يبدع "جورج بوش" حين اكتشف ، بعد انقشاع ضبابة السكر، أنّ حضارة الغرب هي حضارة الخير وأن الحضارة العربية رديفة الشرّ وجب تقويم اعوجاجها و تأديب أبنائها بالحديد و النّار ؟ والعجب العجاب أن تزرع " حضارة الخير" هذه الدّمار في أكثر من دولة وأن تعمل جاهدة على بثّ الشّقاق بين الشعوب سواء تولّى المهمّة رأس الهرم الدينيّ بروما بتصريحاته العدائية التي تمسّ مقدّساتنا أو أنجزها المبدعون في المسرح الألماني أو رسمها الفنّان الكاريكاتوري الدانماركي أونشرتها الصحافة الشيطانية الفرنسيّة بأشكال هازئة ساخرة مهينة .
مثل هذه العبارات صارت قاسما مشتركا لساسة من اليمين الذين يقلقهم أن تنهض الشعوب العربية و الاسلامية من سباتها و ترفض شعوبها التّبعيّة المجانيّة و تطالب بموقعها الحقيقيّ في المنظومة الدّوليّة . ألم يشنّف "برلسكوني" أسماعنا يوما بأنّ الحضارة الغربية أرقى الحضارات و لا سبيل إلى التعامل مع من لم يعتنقها ؟ ألم يبدع "جورج بوش" حين اكتشف ، بعد انقشاع ضبابة السكر، أنّ حضارة الغرب هي حضارة الخير وأن الحضارة العربية رديفة الشرّ وجب تقويم اعوجاجها و تأديب أبنائها بالحديد و النّار ؟ والعجب العجاب أن تزرع " حضارة الخير" هذه الدّمار في أكثر من دولة وأن تعمل جاهدة على بثّ الشّقاق بين الشعوب سواء تولّى المهمّة رأس الهرم الدينيّ بروما بتصريحاته العدائية التي تمسّ مقدّساتنا أو أنجزها المبدعون في المسرح الألماني أو رسمها الفنّان الكاريكاتوري الدانماركي أونشرتها الصحافة الشيطانية الفرنسيّة بأشكال هازئة ساخرة مهينة .
أن تصدر مثل هذه التصريحات الناريّة المغرضة عن رجال دولة وأصحاب وزارات سياديّة في فترة يستعدّ فيها هؤلاء لحملة انتخابية مسعورة تبيح غير المباح فالأمر يخرج عن نطاق الرّأي الحرّ و التفلسف حين يصرّح وزير الدّاخليّة ، بعد تروّ ، أنّ الحضارات لا تتساوى فإيّاك أن تفهم أنّه أراد أن يقول إنّها مختلفة ، فللجملة سياقها ، ومقامها ولها أبعادها و غاياتها والأمثلة المعتمدة للاستشهاد على دونيّة الحضارة المقصودة بالانتقاص يزيل كلّ شكّ، فالتفاضل هو المقصود أوّلا و آخرا والحطّ من حضارة أبناء الضّاد هي الغاية .
السيد الوزير الذي لا يجرؤ على التصريح فيلمّح و يخشى الوضوح فيبهم و يعمّم وهو يريد التّخصيص فيذكر الحضارات جمعا و يقصد المثنّى فقط ، من ذا الذي يدّعي أنّه صاحب الحقّ في امتلاك الحضارة ؟ من ذا الذي يحسب أنّه يحسن فعلا حين يمجّد حضارة و يحتقر أخرى ؟ فهل من حضارة نورانيّة لا غبش فيها؟ أنت أيّها الوزير المزهوّ بحضارة الغرب و قد نزّهتها عن انتاج المحرقة و نقّيتها من أورام الجريمة ضدّ الانسانيّة في أفريقيا و آسيا و أمريكا اللاتينيّة و نفيت عنها محاكم التفتيش التي نصبتها لتقيم عدلها المثاليّ !!.. ألا تعتقد أنّ للحضارات جميعها إصاباتها و أخطاءها ؟ ألا ترى أنّها صناعة بشريّة فيها من الحذق و الإجادة و النفع بالقدر الذي فيها من الخسّة و الغشّ و الضّرر؟
إنّ ما صرّحت به ، السيّد الوزير، في الخفاء بين طلبة لم تنوّر المعرفة عقولهم و لم تخلع عنهم رداء التعالي و لم تخلّصهم من عقدة التفوّق لم تكن تتصوّرأنّه سيجد طريقه إلى أسماع العامّة وما كان سرّا تتقاسمه ثلّة من المتطرفين اليمينيين سيغدو علنا تتناقله وسائل الاعلام و يخوض فيه الخائضون يرفضه العاقلون و يدافع عنه المتحمّسون لإبراز النموذج الغربيّ الأمثل و للتأكيد على تفوّقه لأنّه يساوي بين الجنسين إلى الحدّ الذي يخوّل لهذه الحضارة " المثال" أن تشرّع الزّواج بين اثنين من نفس الجنس إذ لا فرق بين المرأة و الرّجل ، يعوّض الواح منهما الآخر، المثال الغربيّ الذي يعلّم العالم المتخلّف ، العربيّ بالخصوص، كيف ينبغي أن يدفئ المسؤولون الرياضيون عشب الملاعب في أيام البرد القطبيّ حتّى لا تحرم الجماهير من متابعة المباريات و كيف يجب أن يقطع التيّار الكهربائيّ عن العائلة الفرنسيّة الفقيرة التي أخلّت بواجب دفع فاتورة الاستهلاك ليدرك أطفالها معنى البرد و الصقيع في شتاء غربيّ يتجمّد خلاله المتشرّدون في الشّوارع حتّى الموت .
الأمر خطير ، السيّد الوزير ، خطير حين تطغى النّوايا السّياسيّة على الأخلاق و القيم و حين تختلط في ذهن السّياسيّ غير المحنّك مبادئ السياسة و خصائص الحضارة . الأمر خطير حين تنبش الذّاكرة و تخدش الكرامة و تستباح الثقافة لأجل استقطاب ناخبين استمالتهم خطابات اليمين المتطرّف السّاعي إلى السلطة منذ عقود. فالبحث عن المصداقيّة لمغازلة صفوف النّاخبين لا ينبغي أن يمرّ بالإساءة إلى من أسهموا في بناء فرنسا الحاضر من غير الفرنسيين أو الإساءة إلى من عملوا على رفع صرح الحضارة الغربية بعد أن وضع أسلافهم لبنات الحضارة العربيّة الإسلاميّة .
الأمر خطير، السيّد الوزير، لأنّ القول بعدم تساوي الحضارات يكرّس سياسة الإملاء إملاء ما يراه الغربيّ مناسبا لغير الغربيّ و كأنّ للحضارة لونا واحدا فعلى غير الغربيّ أن يأكل طعام الغربيّ و يشرب "شرابه" و يرتدي زيّه و يتحدّث بلسانه و إن لزم الأمر "يقلع "عن أداء فرائضه إرضاء لمشاعر الغربيّ المعلّم، عندها فقط يسقط القول إن الحضارات لا تتساوي . وعندها فقط نتحدّث عن تكامل الحضارات و تفاعلها لأنّ لكلّ حضارة محاسنها و مساويها .
الحضارات ، السيّد الوزير ، لا تقبل التفاضل لأنّها متفاعلة ولكن ليس جميع وزراء الدّاخلية متساوون هذا ما نستخلصه من تصريحات مغرضة لا يجد الحاقدون بدّا من الإدلاء بها بين الفينة و الأخرى اثباتا للوجود .
الحضارات ، السيّد الوزير ، لا تقبل التفاضل لأنّها متفاعلة ولكن ليس جميع وزراء الدّاخلية متساوون هذا ما نستخلصه من تصريحات مغرضة لا يجد الحاقدون بدّا من الإدلاء بها بين الفينة و الأخرى اثباتا للوجود .

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire