رسومات على ريش الطيور 195814.png

lundi 27 février 2012

ماذا يحدث عندنا



                 هل ما يحدث في بلادنا أمر طبيعيّ لا يخرج عن النواميس ؟ أمر أفرزته سنوات القمع والإقصاء و الحبس ، سنوات من القهر الفكري و الاجتماعيّ ملأ النّفوس تبرّما و مرارة ؟ هل ما يحدث في بلادنا اليوم ضرب من التّنفيس عن كرب أدمت القلوب وقرّحت الجفون و ألجمت الأفواه ؟ 
          الأكيد أنّ التونسيّ غير المناشد قد عانى الأمرّين في شمال البلاد و جنوبها ، خارج الحدود و داخلها ، عانى التونسيّ الملتزم الذي أسلم أمره لعقـل مفكّر لا يقبل الأشيـاء حتّى ينظر فيها و يسبر أغوارها و يطمئنّ لنفعها ويلمس جدواها. وعانى التّونسيّ الذي أعوزه التّفكير الحرّ فاطمأنّ إلى خطاب القلوب تشرحها مداخلات مشائخ فتحت لهم كثيرمن فضائيّات"الهداية و التّضليل  والترغيب والتّرهيب" المجال ليسحروا البسطاء بطلاقة اللّسان و بلاغة البيان . و حين ولّى زمن الالجام و الإغراء ، زمن العسل و العلقم زمن العصا والحلوى ، أفلت المارد من عقاله و أفصحت الألسنة عن شتّى التوجّهات و صدحت بمختلف الشّعارات، أعلنت عن وجودها المغيّب لسنوات، و بشّرت بحضور لافت ، مؤثّر . و سالت الأقلام الجامدة ، و استبدلت أخرى حبرها لتكتب عن الحرّية وفضلها، وعن الكبت و عقمه ،عن الحقوق التي تكرّم الإنسان و التّجاوزات التي تقهره والاستبداد الذي يذلّه ، ولتقدّم صورة لسّلطة أفرزتها مطامح مقهورين أرهقهم البحث عن الرغيف  و آمال مهمّشين لم يلتفت إليهم مسؤول و لم يُقم لهم وزنا لأنّ الخطاب الانتخابيّ الحضري المتمدّن في الأغلب جعل همّه الدّفاع عن حرّية فنّان قبل أن يدافع عن " اسبرين "مريض وعن مساواة في الميراث بين الأنثى و الذّكر قبل غطاء محتاج ورغيف جوعان و لأنّ الخطاب السياسيّ المبتدئ ظنّ أنّ العبارة البليغة تجد طريقها إلى النفوس قبل الدّارجة الحميمة وأنّ تطعيمها بفرنسيّة المنبهرين يكسبها السحر الفاعل . و لأنّ الصورة التي رسمتها الأقلام إنّما هي ذات الصّورة التي اختزنتها الذاكرة للمسؤول الذي لا يُسأل عمّا يقول ويفعل ، المسؤول الذي يأمر و ينهى وإن لم يشأ ينشغل و يتلهّى ، و لذلك بدت مثيرة للشّكوك والهواجس سيما إذا اقترن الحديث عنها بما يجري من أحداث خطيرة  لا تطمئنّ لها نفوس الكثيرين و بما يتّخذ من مواقف غريبة  لا ترتاح لها عقولهم .
        بعد أن ولّى زمن الولاءات و المناشدات كان لا بدّ من وقفة متأنّية تقفها بعض التشكيلات الحزبية والاجتماعية و النّقابيّة و قد خسرت كثيرا من المصداقية و الإشعاع وقفة لا لمحاسبة الذّات على السّذاجة السياسيّة التي اتصفت بها و لا على الانتهازيّة التي لم تر فيها خيانة للأمانة و المسؤوليّة ،ولا على طرائق العمل المنتهجة بعد الفشل الانتخابيّ و إنّما هي وقفة مهرّج يستعدّ لمواجهة جمهور بوجه مستعار يثير الشّفقة و السّخرية . كان لا بدّ من "رتوش" يخفي الدّمامة ، ومن بيان يستسيغه النّاقمون الجدد فيشحنهم عصبيّة و تشنّجا حين يذكّرهم بأنّ الثورة " المباركة "ما قامت إلاّ لتغيّـر أقدارهم و تحسّن أوضاعهم و تلغي فقرهم وجهلهم و مرضهم . كان لا بدّ من إيجاد مهر يسهل امتطاؤه و توجيهه دون أن يتطلّب الأمر خبرة بسياسة الخيول . كان لا بدّ من ترويج أفكار ينسى بها من صفَعته الانتخابات آلامه و يجد فيها من لم تسعده مشاريع المتحالفين الذين ابتسمت لهم الحظوظ ففازوا بأصوات المذبذبين و الإمّعة و العاجزين عن اتّخاذ قرار واحد في حياتهم ، والآملين في أن تصبح دنياهم جنّة عدن ، و العاملين على تقديم لون جديد للعيش بمأكله وملبسه و شعاراته و ممارساته .. يجد فيها أولئك جميعا ما يثلج الصدور الملتهبة و يبدّد سحب التشاؤم المتراكمة التي تحجب عنهم نور اليقين فتعود لهم الابتسامة التي فارقت الشفاه طويلا. 

         ما يحدث في بلادنا فيه القديم المألوف من الممارسات القهريّة  لأنّ من شبّ على شيء شاب عليه  فما بالطبع يصعب التخلّص منه إذا انعدمت الإرادة الصّادقة وإذا كان التخلّي عنه يعني فقدان امتيازات هامّة وفيه من التلوّن الحربائيّ لأنّ مقولة البس لكلّ حال لبوسها ما يزال لها مؤيّدون يجدون في اعتناقها السبيل الأقصر لتسلّق سلّم الانتهازيّة . وفي بلادنا يوجد الحديث من السلوكات المتهوّرة لأنّ فهم الحرّية بالكيفيّة التي فهمها بها أغلبنا يجرّنا إلى ما نشاهده في مؤسساتنا الرّسميّة من فوضى وفي شوارعنا من انتهاكات و في ساحاتنا من فضلات وفي مجتمعنا من اضطرابات وفي وسائل إعلامنا من بدائيّات وفي عقولنا من خلط وفي نفوسنا من تشاؤل . لم يعد هناك قطاع منيع لا تتسلّل إليه الشعارات المتناقضة ولا تفرض فيه الآراء المتطرّفة و لا تتعالى فيه الأصوات بالتّنديد و التّهديد ولا تتشابك فيه الأيدي إن لزم الأمر .نقابة صحفيين  تدين و نقابة قوّات أمن تستنكر وحكومة تتّهم العاملين في الخفاء على العرقلة  ونقابات عمّال تلوّح بالتّصعيد ما لم تنثن السلطة الحاكمة عن استهدافها، في بلادنا يوجد الحديث من المواقف السّياسيّة الباهتة الحائرة بين القبول الواضح والرّفض القاطع بين مساندة القلّة القليلة و الخشية من ثورة الكثرة الغالبة  بين السكوت عن البعض المتطرّف و محاسبة البعض المتحرّرمواقف باهتة من طبيعة تكشّرعن أنيابها ومواطنين يشمّرون على سواعد النّهب والسّلب و الحرق ومنتخبين كشّروا عن أنياب .. فحتّام يستمرّ هذا المخاض العسير و إلام نبقى في انتظارالموقف البيّن والقرار الحاسم  ؟ متى يسلم التّونسيّ من التونسيّ؟ من لسانه وقلمه وارتجاله و فوضاه و سياسته الخرقاء ؟.
    غريب أمر التونسيين يطالبون ولا يقبلون أن يطالبوا يزعجهم أن يعيّن الرجل الذي لا ينتظر أن يطالبه الآخرون أن تكون له عينان ينظر بهما  وأن يكون له لسان يفصح به وأن تكون له إرادة لا تلين  أمام المتنطّعين ببساطة لا يقبلون الرّجل المناسب لأنّ في تولّيه  قضاء على التراخي و اللاّمبالاة و التهاون و الفوضى و دوس القانون وفي محولات يائسة يعمد البعض ممّن لا يحلو لهم النّظام و الجدّ و الالتزام بضوابط الأخلاق إلى بث ّالفوضى وادّعاء الاستهداف و المطالبة بحقوق لا يستحقّها أمثالهم المخلّون بالواجبات الباحثون عن الامتيازات. يحدث هذا في أكثر من قطاع حيويّ وأخصّ بالذكر قطاعي الصحّة و التّعليم فماذا ينتظرالتونسيّ إن لم يكن على موعد مع من نؤمّنه على عقله و جسمه ؟؟ ما مستقبل  التونسي وقد انساق العامل و المعطّل عن  العمل والرافض للعمل ..أصحاب الشّهادات و ذوو الاختصاص من يعالج الأرض و من يجذّف في البحر ومن يسنّ القوانين ومن يتكئ في أريكته  ، بناة العقول و حماة الأبدان  و..و..و.. وراء مطلبية تخطّط لها فئة لا تؤمن بأنّ العطاء يسبق الأخذ وأنّ الحق يضيع في غياب الواجب وأنّ الاقتسام أفضل سلوك يأتيه العاقل .










Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire