رسومات على ريش الطيور 195814.png

mardi 21 février 2012

حمّى الانتخابات

         

          كلّ شيء مشروع ما دام يخدم المترشّح ، يحقّق  غايته و يبلغه مأربه . ومن الغباء عدم استغلال الأحداث وتصيّد الوقائع التي يكثر حولها النّقاش و يتّسع  الجدال ويجد فيها الإعلاميون مادّة خصبة تتناولها أقلامهم المتعطّشة لإثارة الشقاق وتضخيم القضايا . كل ّ مسألة مباحة ما دامت تسيء إلى الخصم و تشوّه صورته في أذهان المنتخبين و تقلّص فرص نجاحه ،جميع الصّفات يمكن استخدامها إن كانت تقدّم المنافس على الوجه الأنقص  كأن يكون كذّابا، متذبذبا ،لا يجرؤ على اتخاذ قرار، يتعاطف مع الغجر يدافع عن المهاجرين ، يدافع عن ثراء الأثرياء، يعد ويخلف ... كلّ موضوع هام  ولو كان من البساطة و الشكلية بمكان فالغاية تبرّر الوسيلة .

         في الحملة الانتخابية الفرنسيّة يتذكّر المسؤول الفرنسيّ أنّ الهجرة تقضّ مضجع المجتمع المتحضّر و أنّ آثارها تشوّه المشهد و لذا وجب استعمال " الكارشير" في عملية تنظيف عميقة تمسّ الجذور ، وتستأصل الشرور، وترسل بالأوباش إلى ما وراء البحر من حيث أتوا .في الحملة الانتخابيّة المسعورة يذكّر المسؤول الفرنسيّ  الحريص على سلامة مأكل النّاخبين و أناقة ملبسهم أنّ اللحم الحلال يملأ الأسواق و أنّ الملابس المعروضة في كلّ مكان لم تنتج محلّيا ولم تبدعها أيد فرنسيّة . وأنّ أسلمة فرنسا بلغ حدّا لا يطاق و لا ينبغي السكوت عنه ، لا يهمّ إن كانت نسبة الذّبائح على الطريقة الاسلامية هي أقلّ من نسبة لحوم "الكاشير" و لا تتعدّى في المطلق 2 % من اللّحوم المستهلكة، ولا يهمّ إن كانت معامل  النّسيج المزوّدة للسّوق الفرنسيّة والمنتشرة في  دول الشّمال الافريقيّ خاصّة  هي على ملك الفرنسيين السّاعين إلى اكتساح الأسواق من جهة و الاستفادة من  اليد العاملة الرّخيصة  من جهة أخرى ومن النظام الضريبي المشجّع أخيرا. 
             الغريب في الحملة الانتخابيّة الفرنسيّة أنّ السياسيّ و الإعلاميّ على حدّ السواء يحدّث بما لا يعلم أنّه البهتان أو هما يتعمّدان جهل الحقائق ليكون حديثهما دليل وطنيّة لا مراء فيها و غيرة على البلاد و العباد من موجة شرقيّة ساخنة تذيب جليد الأحاسيس التي ألفوها . الغريب أن تتحدّث المسؤولة الأولى عن الجبهة الوطنيّة اليمينيّة عن حقّها في أكل لحم لم تعذّب ذبيحتة بمدية مسلم فظّ غليظ ، فالطلقة النّاريّة في الرأس أو ليّ العنق أو الصعقة الكهربائيّة  أو غيرها من طرائق القتل التي يتوخّاها الفرنسيّ المتمدّن  أرحم . الغريب أن تعلّق الصّحفيّة المطّلعة الخبيرة بما يحدث في المسالخ  أنّ الفرنسيين لا يقبلون أبدا أن يتولّى الإمام  ذبح الخرفان و الأبقار...في دولة لا يهرق فيها دم  على الأرض و لا يعذّب فيها حيوان وكأنّ العمليّة تتمّ على يد رجل "الدّين" الذي ذكرته والحال أن لا وجود لهذه الصّفة في الاسلام . 
                في الحملة الانتخابيّة الفرنسيّة يجلد المواطن الفرنسيّ من أصول غير فرنسيّة ،مامادو كان أو أحمد، بسياط السياسيّين  و الصّحفيين بمناسبة و بغير مناسبة لأنّ في جلده إلهاءً للفرنسيين عن قضايا خطيرة تمسّ حياتهم في الصّميم . فأيّ جدوى من طرح مسألة الفقر الذي تتسع رقعته كل يوم ؟ وما جدوى الحديث عن السّكن غير اللاّئق الذي تشكو منه آلاف العائلات ؟ و ما الفائدة من إثارة موضوع البطالة التي استشرى أمرها في صفوف الشباب ولم ينج من شرّها الكهول ؟ وهل الخوض في مسألة تقاضي المرأة الفرنسيّة راتبا يقلّ بـ20% عن راتب الفرنسيّ الذي يعمل نفس عملها  يجدي السياسيّ الحالم ؟ و هل الحديث عن اضطرار العربيّ المسلم في بلد التمدّن إلى تغيير اسمه أو الانتساب لغير حيّه  للظفر بمنصب أو الحصول على عمل يحفظ به ماء الوجه ، يخدم الطّامع في الحكم ؟  وهل التطرّق إلى مسألة الحضور العسكريّ في بلدان بعيدة قاد إليها الطمع ، و قتل فيها الجنود الفرنسيين بشكل عبثيّ لا دفاعا عن الأرض والعرض، من المواضيع التي  يحسن الخوض فيها ؟ مثل هذه المسائل لا تفرّق بقدر ما تجمع و يحصل حولها اتّفاق .و المرشّح الحاذق لا يجدر به أن يتحدّث في موضوعات لا تثير العواطف و تشحن الأجواء وتذكي الأحقاد و تذكّر كلّ واحد بأصله و فصله. ولذلك يغدو الحديث عن الأرمن وما تعرّضوا له من جرائم مهولة اقترفها الأتراك المسلمون ويصبح الدّفاع عن أمن الاسرائليين و حقهم في حصارشعب يظمأ و يجوع و تفتك به العلل و في  ضرب كلّ دولة يمكن أن تكون مبعث خوف و مصدر ازعاج لراحة متمدّنين ديموقراطيين ، وما يمارسه السّاهرون على أمن الدّنيا  في أفغانستان من مساعدة لحكامها على إرساء ديموقراطيّة المستنيرين في مجتمع الظّلاميين تقيهم و تقي العالم خطر التطرّف الدّيني ،وما يتعرّض له الفرنسيّون  في عقر دارهم من تهديد يستهدف موائدهم السّخيّة ومن تشويه تعرفه شوارعهم لانتيجة تغوّط كلاب مدلّلة ولكن لبسط مهاجرين غير مرغوب في وجودهم سجاجيدهم لأداء الصلاة ،  مضامين تلقى صداها و تتلقّاها آذان الفرنسييّن باستحسان و حماس وتمتلئ لها قلوبهم ضغينة و شحناء وحقدا على أعداء الديموقراطيّة.
        إذا كان الأمر على هذه الشاكلة في بلاد "روسّو" فكيف نستغرب سلوكات السّياسيّين في بلاد الناطقين بالضّاد من خليجها إلى محيطها إذا كان كرسيّ الحكم بهذه الفاعليّة ينسي الملتزم التزامه ويحوّل المنصف عن انصافه و الراشد عن رشده و المعتدل عن اعتداله و الواعد عن وعده ... فبئس الكراسيّ و بئس المتكالبون عليها .


       

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire