ماذا أصاب النّاس ؟ في كلّية الآداب تسوء الآداب و تنتهك القيم على مرآى و مسمع من العامّ و الخاصّ ، و يعتدى على حقّ الطّالب في التّعلّم فيمنع من الدخول والالتحاق بمدارج العلم و المعرفة ويتطاول على إطار الإشراف و الأساتذة فيتعرّض بعضهم إلى المضايقات و البعض الآخر إلى العنف اللفظي و المادّي ، ولا تقف الاستهانة بحرمة الجامعة و حرمة الذّات من قبل فئة أعشى التطرّف بصرها فضلّت الطّريق عند هذا الحدّ الخطير و إنّما تمتدّ أيدي بعضهم الآثمة لرمز الوطن ، راية البلاد الخفّاقة تنزلها عنوة و تمزّقها جهلا و عدوانا يحدث هذا في كلّية الآداب بعد الثّورة في وضح النّهار و أمام الجميع! حين تقصر الرّؤى و تطول اللّحى تسوء حال البلاد و العباد .وحين تضيق الآفاق وتسوء النّوايا يتطاول الشاذّون مظهرا و مخبرا على العلم بكلّ صلف وعناد .
هل تعني الوطنيّة الحديثة توريد فكر عقيم يجعل من التكبير أداة تأثيرو قولة حقّ يراد بها باطل ؟ هل تعني الوطنيّة الجديدة الإساءة إلى العلم المفدّى ؟ لا عاش في البلاد من يسيء لراية البلاد و لا عاش في البلاد من يخونها و يرتضي بغير قيمها و أخلاق أهلها بديلا . إلى هذا الحدّ من الانفلات انتهى أمرنا ، إلى هذا الحدّ من اللامسؤوليّة يعامل البعض في حين تسارع سلطة القضاء اليقظة إلى سجن مدير التونسيّة التي تعتدي على الحياء العام بنشرها لصورة خليعة . أين هذه اليقظة المحمودة التي تحافظ على حقوق الناس ؟ أين تلك السّلط الحازمة التي تمنع التجاوزات و قد لحقت النّخاع ؟
طال المخاض ولم تحن الولادة بعد وتزايد الألم و لم تنفع المسكّنات و في غياب القرار الحاسم ستبقى كلّيّة الآداب تتجرّع ألوان العذاب . تنهش كيانها المواقف المشحونة تطرّفا والنّداءات المغلّفة تديّنا . في غياب القانون يعبث الدخلاء بحرمة الجامعة التونسيّة و تمتدّ الأيدي إلى رمز النضال الوطني تنزعه بلا مبالاة ، في غياب القانون يستهدف رجل العلم و بيت المعرفة و يعتدى على العميد و الأستاذة و يتّهم الطلبة بالتفسّخ و الانحلال . في غياب القانون تفرض القلّة المقنّعة وراء السّواد سلطانها و تملأ الفضاء بصخبها و لا حياة للمسؤولين .يا للعجب! ألهم آذان لا يسمعون بها ؟ ألهم عيون لا يبصرون بها ؟ أليست مسؤوليّة الدولة إقرار النظام وإكراه الخارجين عليه على الامتثال لعلويّة القانون؟ إلى متى ستستمرّ هذه الحال من الفوضى الاجتماعيّة ؟ و إلى متى ستتمادى جماعة التّكفير في تنغيص الحياة العامّة و التعامل مع النّاس على أنّهم ضالّون وجبت هدايتهم إلى سواء السّبيل ؟إلى متى سيسمح لهم بالتعدّى على المؤسّسات العامّة من مساجد و كلّيات و مصحّات و..و.. ؟
إنّ وقفة مسؤولة و حازمة من حكومة لم تقنع بعد أمر أكثر من مستعجل و ضروري لإعادة الطّمأنينة إلى النّفوس الحائرة و لإعادة التوازن لوضع اختلّ بشكل يبعث على الحزن أوّلا و القلق ثانيا .و إنّ السّكوت عمّا يحدث جريمة بل خيانة عظمى .لا نطالب إلاّ باحترام القانون و ردع المخالف مهما كان أمرد أو ملتحيا يدّعي التقوى أو يجاهر بالعصيان .وإنّ التّأخّر في اتّخاذ القرار الحاسم و المناسب سيساهم لا شكّ في تفاقم الوضع و تعقيده و سيجعل التّصادم نهاية كلّ لقاء يجمع الإخوة المختلفين .
العجيب أن يأتي تبرير وزير الدّاخليّة لغياب التدخّل الأمني قائما على موقف العميد الرّافض لدعوة قوات الأمن لتطهيرالحرم الجامعيّ من الدّخلاء المفسدين الغريب أن لا يعلّق على رفع راية سوداء بدل العلم التّونسيّ وكأنّ الأمر بسيط ، و لنسلّم بأنّ العميد لم يدع الأمن للتّدخّل فمن الذي منعه من أداء واجبه في محيط الجامعة الخارجي وقد هاج فيه المدنّسـون و ماجوا ؟ وهل من انتظار لرغبة عميد و العلم يئنّ بين أيدي المعتدين ؟ هل من حياد وابنة تونس المدافعة على الرّاية تعنّف ؟ ألا يكفي هذا للبرهنة على أنّ السلطة الحازمة في مواجهة المتحرّرين تغدو متسامحة جدّا مع المتشدّدين تبحث لهم عن المبرّرات وتلتمس لهم الأعذار و تدعو لمحاورتهم بحجّة الحرّيّة والحقّ ؟ الأمر محيّر فعلا ، أهي مباركة صامتة ، ودعم غير معلن ؟ أم هو الخوف من الظهور بغير قناع ؟
فلنحذر النـّزيف فليس من مصلحة الشّعب أن تضيع جهود أبنائه في جزئيّات تلهيهم عن الأساسيّات .و ليس من مصلحة الدّولة أن تقوم فيها جماعات تزرع الفوضى باسم الدّين وتسيء لخلق الله باسم " لا اله إلا الله" فهل من دين حنيف يدعو للشدّة و الغلظة حتّى يتّصف أهله بالقسوة و الفظاظة ؟ وهل من متديّنين تقذع ألسنتهم و تعنّف أيديهم و تحقد قلوبهم ؟ حسرة على وطن رهينة ، تتجاذبه المطامع و المطامح ، سكت فيه من هو جدير بالكلام ونطق من أعوزه التفكير النيّر ، أسكت المثقّف لسان الحكمة و أطلق من يدّعي العرفان لجهله العنان ، حسرة على وطن صار السّواد فيه لون التفاؤل كيف لا وقد اختفى في سماء المتعامين عن الحقائق الرّافضين لكلّ نور كلّ نجم و هلال .العزاء الذي يخفّف من الألم وبه يلتئم الجرح ما أقدمت عليه ابنة الوطن حين أحجم حامي الوطن ، الطالبة التونسيّة أثبتت بوقفتها الحازمة أنّ خرّيجة المدرسة التّونسيّة تعلّمت أن يكون ولاؤها للوطن ورايته فانتصرت للعلم،انتصرت للإيمان انتصرت لما يجمع التّونسيّين .

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire