
ما يثير الأسى و يحزّ في النّفس أنّ " المثقّف التّونسيّ " لم ينأ بالنفس عن هذا الجدل ولم يرفض المشاركة في لعبة جذب الحبل بل تراه أقحمها لتخوض مع الخائضين مكرهة حينا متطوّعة حينا آخر و هكذا تتّسع دوائر النّقاش شيئا فشيئا لتبلغ الخطوط الحمراء ولتتجاوزها فتزداد أخاديد الانقسام بين أبناء الوطن الواحد عمقا و اتساعا ، و تتّخذ الردود القوليّة شكلا عمليا فيعمد البعض و قد غلا التّعصّب في رأسه غليانا إلى انتهاك الحقوق و الحرّيات و التصرّف بطريقة غوغائيّة تنمّ عن تصحّر فكريّ و افتقار للحجّة والبرهان .

يؤسفني جدّا أن يتحدّث الجميع وفي كلّ المواضيع و كأنّهم مختصّون لا يتسلّل الزّيغ إلى قولهم و لا تعرف تدخّلاتهم انحرافا . أما تذكّر أولئك قول القائل : قل لمن يدّعي في العلم فلسفة ..,. يحيّرني اندفاع البعض و هم يجدّفون ضدّ التيّار ويخوضون في مسائل لم يلتمسوا لها أدواتها ووسائلها و لم يطّلعوا على ما تقتضيه من أوجه الإلمام و المعرفة .
تسمع من يفسّر الآية القرآنيّة و من يستشهد بأخرى و من يحلّل سلوك نبيّ ومن يعلّق على حادثة معيّنة فتظنّ أنّ المتحدّث أبلى العمر في البحث و التّنقيب و ألمّ بالموضوع فلم يترك لللاّحقين نصيبا ممّا اغترف ثمّ تتبيّن، وأنت تفكّر في قوله ، بعده عن العلم الذي يدّعي و إمعانه في التجنّي الذي ينكر .

أقول لكثيرين يسبق كلامهم تفكيرهم ماذا لو أحجمنا عن حشر النّفس فيما لا يخصّها و منعنا ألسنتنا من كشف عوراتنا و تعرية جهلنا و إبداء تعصّبنا ؟ ماذا لو إلتزمنا بآداب الحوار إذا دعينا له وكان لنا فيه ما نقوله عن علم ؟ هل يضير العاقل أن يعترف حين يجب الاعتراف أنّ من الحكمة عدم الغوص ما دام لا يحسن السّباحة ؟ ما هذا التّعجرف الذي نريده زينة فيشيننا ؟ ما هذا التّظاهر بالعلم المفحم ونحن أبعد عن إقناع ذواتنا قبل إقناع غيرنا ؟ لست أفهم سلوك متعلّمين لم يرتق بهم علمهم ليكونوا مختلفين عن سواهم ممّن أجدبت عقولهم . وحتى أريح النّفس من عناء ما كنت أحسب أنّه يلحقها وأنفض عنها كدرا لا أظنّه إلا ّ ينغّص حياتها سأسمعها من الألحان ما يزكيها من أدران هي في غنى عنها .

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire