رسومات على ريش الطيور 195814.png

lundi 19 mars 2012

قل لمن يدّعي في العلم فلسفة ...

         الخط العربي: 85 صورة ستجعلك تتعطّش للمزيد


       بئس الحرّية إن لم تكن مثمرة  بنّاءة ، فالغاية من ممارسة حريّة القول و الفعل إنّما هي إسعاد الرّوح و البدن .فما الغنْمُ من جدل عقيم يحسبه هوّاة الثرثرة مجالا لإثبات الذّات الواهية ؟ و ما جدوى الخوض في مسائل ثانويّة لا تسهم إلا في تعميق الخلاف بين مطمئنّ إلى موروث لا يقبل في نظره الطعن و التشكيك  ، وقائل بأن لا مقدّس يعلو على سلطة العقل حتّى و إن أقر العقلاء في أزمنة مختلفة بقصور هذه الأداة حين تتصدّى لمسائل غيبيّة 
     ما يثير الأسى و يحزّ في النّفس أنّ " المثقّف  التّونسيّ " لم ينأ بالنفس عن هذا الجدل ولم يرفض المشاركة في لعبة جذب الحبل بل تراه أقحمها لتخوض مع الخائضين مكرهة حينا  متطوّعة حينا آخر و هكذا تتّسع دوائر النّقاش شيئا فشيئا لتبلغ الخطوط الحمراء ولتتجاوزها فتزداد أخاديد الانقسام بين أبناء الوطن الواحد عمقا و اتساعا ، و تتّخذ الردود القوليّة شكلا عمليا فيعمد البعض و قد غلا التّعصّب في رأسه غليانا إلى انتهاك الحقوق و الحرّيات و التصرّف بطريقة غوغائيّة تنمّ عن تصحّر فكريّ و افتقار للحجّة والبرهان .
     صارت حلقات النّقاش في كلّ مكان : في النّوادي و المقاهي ، في البيوت و المكاتب ، في المعاهد و الكلّيات ، في المؤسّسات و المجالس الرّسميّة و الإخوانيّة . لست من الذين يرفضون الحوار و النقاش ليس هذا من خصائصي لأنّي أومن أنّه أقرب السّبل و أسلمها إلى التفاهم و التّقارب و معرفة الآخر ، ولكنّي أرى أنّ الأمر يغدو عديم الفائدة إّذا تحاور الأصمّ و الأخرس ، إذا كان همّ المحاور الإساءة وطعن المخاطب في الصّميم ، إذا كانت غايته المساس بما عقد عليه القلب من قيم سماويّة و إنسانيّة عليا .
      يؤسفني جدّا أن يتحدّث الجميع وفي كلّ المواضيع و كأنّهم مختصّون لا يتسلّل الزّيغ إلى قولهم و لا تعرف تدخّلاتهم انحرافا . أما تذكّر أولئك قول القائل : قل لمن يدّعي في العلم فلسفة ..,. يحيّرني اندفاع البعض و هم يجدّفون ضدّ التيّار ويخوضون في مسائل لم يلتمسوا لها أدواتها ووسائلها و لم يطّلعوا على ما تقتضيه من أوجه الإلمام و المعرفة .
      تسمع من يفسّر الآية القرآنيّة و من يستشهد بأخرى و من يحلّل سلوك نبيّ ومن يعلّق على حادثة معيّنة فتظنّ أنّ المتحدّث أبلى العمر في البحث و التّنقيب و ألمّ بالموضوع فلم يترك لللاّحقين نصيبا ممّا اغترف ثمّ تتبيّن، وأنت تفكّر في قوله ، بعده عن العلم الذي يدّعي و إمعانه في التجنّي الذي ينكر .

      أقول لكثيرين يسبق كلامهم تفكيرهم  ماذا لو أحجمنا عن حشر النّفس فيما لا يخصّها  و منعنا ألسنتنا من كشف عوراتنا و تعرية جهلنا و إبداء تعصّبنا ؟ ماذا لو إلتزمنا بآداب الحوار إذا دعينا له وكان لنا فيه ما نقوله عن علم ؟ هل يضير العاقل أن يعترف حين يجب الاعتراف أنّ من الحكمة عدم الغوص ما دام لا يحسن السّباحة ؟ ما هذا التّعجرف الذي نريده زينة فيشيننا ؟ ما هذا التّظاهر بالعلم المفحم  ونحن أبعد عن إقناع ذواتنا قبل إقناع غيرنا ؟ لست أفهم سلوك متعلّمين لم يرتق بهم علمهم ليكونوا مختلفين عن سواهم ممّن أجدبت عقولهم . وحتى أريح النّفس من عناء ما كنت أحسب أنّه يلحقها وأنفض عنها كدرا لا أظنّه إلا ّ ينغّص حياتها سأسمعها من الألحان ما يزكيها من أدران هي في غنى عنها .



      أقول لكثيرين ممّن يسبق كلامهم تفكيرهم : ماذا لو أحجمنا عن حشر النّفس فيما لا يخصّها و منعنا اللّسان من كشف جهلنا و تعرية تعصّبنا ؟ ماذا لو التزمنا بآداب الحوار إذا كنا فيه طرفا عارفا لما يقول ؟ هل يضير العاقل أن يعترف أنّ من الحكمة عدم الغوص مادام لا يحسن السّباحة .

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire