رسومات على ريش الطيور 195814.png

mercredi 21 mars 2012

هل لجروح صفاقس من آس ؟












                 مدينتي فقدت كثيرا من حسنها و الحياة فيها فقدت الكثير من لذاذتها و ساكنو مدينتي فقدوا كثيرا من طيبتهم .. لم تعد صفاقس منتجة الثّروة و صانعة العقول مدينة يهنأ فيها المواطن و يرتاح . من عرف المدينة بعيد الاستقلال  و على امتداد الستّينات و بعض السّبعينات معرفتي بها لا أظنّه يسعد لرؤيتها اليوم لن ترتسم على شفتيه بسمة الارتياح و الاعتزاز وهو يعبر  أزقّتها مترجلا أو يسير في أنهجها متبضّعا أويتجوّل في  شوارعها متنزّها أو يقطع طرقاتها متّجها لعمله أو عائدا إلي بيته . لقد شوّه الجدريّ وجه العروس ! صارت الدّمامة من خصائصها ..قد فقدت ألقها و انحسرت خضرتها و خرّبت أوصالها .

         مدينتي و إن لم تكن قبل الثّمانينات مدينة جامعيّة و لم يكن عدد سكّانها يقارب المليون نسمة  كما هو الحال اليوم و لم تنتشرمؤسّساتها التّربويّة الاعداديّة و الثّانويّة  في كلّ طريق و قاصّة  لتبلغ عددا يقارب السبعين فقد أثّثتها دور للثّقافة وقاعات للسّنما عديدة (8 قاعات لم تبق منها إلا واحدة) و مكتبات  يكفي أن أذكرمنها مكتبة محمّد علي و مكتبة المعهد اللّخميّ و مكتبة الاتّحاد الثّقافيّ.... و نشطت فيها الفرق المسرحيّة         و الموسيقيّة و الرّياضيّة , فما الذي حدث حتّى تهجرها الثّقافة و تميل عنها الأنشطة كلّ الميل ؟ ما هي أسباب هذا التصحّر الغريب الذي أغرق المدينة في ظلمة الرّكود ؟ و من له مصلحة في الجمود الثقافيّ الذي استمرّ عقودا ؟ ومن المسؤول عن هذا التدنّي الذي شهدته أخلاق النّاس تترجمه سلوكاتهم القوليّة و الفعليّة المشبوهة و الباعثة على الاستغراب و الاستهجان ؟
     
       لم تعد للمدينة تلك الخصائص التي صنّفتها ضمن قائمة المدن الهادئة ، النشيطة المنتجة ، ولم تعد لسكّانها روح المبادرة التي ميّزتهم و أكثرت حسّادهم . لم تعد للنّظافة مظاهرها التي اعتادها المقيم وانتبه إليها الزّائر منذ الخمسينات من القرن الماضي ، فسبحان الله لتطوّر تقنيّ و علميّ و مادّي يؤخّرنا عقودا يشوّه ما جمّله الآباء و الأجداد في المحيط وزيّنوه في النّفوس .. تحوّلت شوارعنا وحدائقنا القليلة النادرة مجامع قمامة أو تكاد و صار كلامنا فحشا تفجر به الألسنة بغير حياء و صار تنقّلنا مغامرات متجدّدة مع سائقين متهوّرين لا تعني الأضواء المروريّة عندهم شيئا ومع مترجّلين لا وزن للقانون في تعاملهم مع آداب الطريق . وصارت معاملاتنا لا تخلو من غشّ و خداع و في أحسن الأحوال من مماطلة .
   
           ساءت أخلاق النّاس بشكل فظيع و لم تعد الكلمة النّابية نشازا يثير التقزّز و لم يعد العنف تهوّرا لا يأتيه إلا معتوه أو شرّير ، ولم تعد السّرقة كبيرة تلحق العار بمقترفها و بأصوله و فروعه . ولم يعد التّطاول على المقدّس فعلا غريبا يخجل مقترفه من الاجهار به . أيّ مجتمع هذا الذي لا يأمن فيه النّائم في بيته و السائق في سيّارته و الموظّف في مكتبه و الأستاذ في قسمه ؟ أيّ مجتمع لا يردع فيه المعتدي يستعرض فحولته على أعين النّاس ولا يعاقب فيه المتسلّط يعكّر صفو الحياة و الأحياء؟ 

    ساءت أخلاق النّاس و لم تعد الأعراض و الأموال و الأرواح بمنأى عن انتهاك المنتهكين و مثلما تمتدّ الأيدي الآثمة إلى جسد بريء فتطعنه طمعا في أوراق ماليّة قليلة تمتدّ إلى حنفيّات مسجد تقتلعها وتبيعها بدنانير معدودات و تمتدّ إلى الملك العام فتكتسحه و تعلى فيه البناء الفوضويّ و إلى العرض تستبيحه و الحقّ تهضمه . ألم أقل إنّ أخلاق الناس قد ساءت أيّما سوء. و لأعود إلى هذه المدينة المتأوّهة المختنقة مدينتي التي ضاقت بأهلها و ضيوفها إلى شوارعها العاجزة عن استيعاب حركة مروريّة محمومة تغلب عليها الفوضى صباح مساء . إلى فضاءاتها الخضراء التي تعد على أصابع اليد الواحدة و المتقلّصة على الدّوام تتطاير فيها أكياس البلاستيك و تتدحرج القوارير و العلب و تغطّي ممرّاتها أعقاب السجائر بالآلاف و تلوح فيها هياكل المقاعد و قد اقتلعت أخشابها حزينة مهمومة .إلى ساحاتها المشوّهة تعرض فيها بضائع الباعة الجوّالين و سلعهم لا تجمع بينها قرابة و لا يحترم معها ذّوق ولا صحّة وتمتدّ فيها أيدي القابعين العارضين لبطاقات إعاقاتهم والمتربعات المحتضنات لرضّعهنّ تنتظرن أن تقع في الكف قطع نقديّة  ... فأقول للغيورين على مدينة الزّيت و الزّيتون ، مدينة العلم والعمل ، مدينة الحياء و الخلق الرّفيع : هل من هبّة حازمة تعيد الأمور إلى نصابها ؟هل من التفاتة كريمة لمعاناة مواطنين لا يأمنون اختراق أنهج مدينتهم العتيقة نهارا و لا يجرؤون على الاقتراب منها ليلا ؟ هل من عودة للوعي المدني الذي لا تحلو في غيلبه الحياة؟







Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire