رسومات على ريش الطيور 195814.png

jeudi 31 mai 2012

حوار الصمّ


Al_adabo
          
     لشدّ ما يحز ّ في النّفس أن تضطرّ إلى متابعة حوار بين مسؤولين في السّياسة التّونسية شرّق أحدهما و غرّب ثانيهما حتّى لا  يكاد يسمع أوّلهما الثّاني ولا يسمعهما ثالث يتابع  لغطهما وقد فرّق بينهما كلّ شيء و لم يجمعهما غير المكان و الزّمان ولكن كلّ في كرته الزّجاجية التي تحرمه السّمع و التّبليغ مهما أصغى وزعق .

      لشدّ ما آلمني و أنا أتابع على مضض حوارا حضر فيه التهكّم والاستفزاز و الاتّهام ، وغابت عنه الآداب و اللّباقة و رفعة الذّوق والمستوى. حوارا لم أهنأ بمتابعته ولم أطمئنّ لصانعيْه ولم تزدني ابتساماتهما المصطنعة إلاّ قرفا . حوارا هو أقرب إلى مرافعات خاسرة  بائسة تسعى لتبرئة الشّيطان تلتمس الأعذار و تحتمي بالأقدار وتحاول جاهدة ألاّ تلاحقها الأنظار .

FjO34891     ما هذا يا سادة و يا سيّدات ؟ ما هذا المستوى المتردّي في عرض الموجود و تقييمه وفي رسم المنشود و تصميمه ؟ ما هذا المستوى المتدنّي في الحديث عن البلاد و العباد ، عن الماضي ومحطّاته و الحاضر وزلاّته و المستقبل وتطلّعاته ؟ ما هذه الهرطقة المنبوذة و الأساليب الممجوجة تصدر عن وزير مستشار يعود إليه صاحب الحاجة يستنير بمشورته و يهتدي بحكمته فإذا هو أبعد النّاس عن الرّشد و الحكمة وخفّة الظلّ ! ما هذه الضّحالة يجترّها و هذه الحكمة يتّكئ عليها فيهدم كلّ ما بناه ! ما هذه التشبيهات السوقية التي حولت المجلس التّأسيسيّ سهرة شعبية تقرع فيها الطّبول وتتراقص فيها الأجساد ! ألهذا الحدّ نسمح لأنفسنا بالتهكّم ؟ ثمّ ما  تلك العشوائيّة في التّعامل مع واقع يحتاج إلى أكثر من اندفاع و حماسة و انشقاق واتّفاق و معارضة ترى ما يزعجها ولا تنتظر ما يسرّها ولو فتحت السّماء قرَبَها و أغدقت عطاءها فهي المتشائمة وإن تصنّعت السرور.
         إنّ حوارا لا يقيم وزنا للآداب ولا يُحترَم فيه المخاطب والمخاطب هو من العقم بمكان . وإنّ حوارا يتجاهل فيه طرفاه مستمعا متابعا يشقيه الصّخب و يعييه الفهم ، يكون هدمه أسرع من بنائه وضرره أكثر من نفعه . فما المانع من أن يستحضر المحاور أنّ السّمع و النّطق لا يشتغلان في ذات اللّحظة و أنّ النّقد و الثّلب لا ينتميان إلى نفس العائلة ؟ و أنّ الوضوح و الدقّة يفرضان التّفكير والتدبّر لا الاندفاع و الاقتحام ؟ إنّ ما نصل إليه بالاختصارالمبين لا نبلغه بالاطناب المملّ و ما نحقّقه بالوضوح و اللّين لا نصل إليه بالغلظة في القول و البراعة في المراوغة و المخاتلة ؟ .فهلاّ امتثلنا لقوله تعالى" وجادلهم بالتي هي أحسن " أما يخطر بالبال أنّ الفظّ الغليظ لا يجتمع الناس حوله ؟ و أنّ الكلمة الطيّبة لها مفعول السّحر ؟
         كان الحوار نموذجا للتلاسن الذي لا ترجى منه فائدة ولا أتصوّر أنّ الهدف من عقد أيّ حواريتمثّل في استعراض ما يتحلّى به الطّرفان المتحاوران من قدرة على المقاطعة و رفع الصوت والتنابز بل و التهكّم المقيت . فهلاّ ارتقيتما بالمستوى و تحلّيتما بما يرضي المشاهد المنصت بما يجعلكما مسؤولين؟ ! .


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire