أشهر مضت على انتصاب الحكومة الشرعية ، حكومة انبثقت عن انتخابات تعدّدية لم تعهدها بلادنا منذ استقلّت ، انتخابات فوّض بموجبها المنتخبون للترويكا إدارة شؤون البلاد بعد ثورة فريدة من نوعها .
أشهر مضت على تولّي الترويكا السلطة لم تكن المرحلة سهلة ولا تزال كذلك ولم يكن الرّهان هيّنا ومع ذلك أقدمت السلطة على تحمّل المسؤولية الثّقيلة و أعلنت أنّ العمل الخلاّق سينطلق ليغيّر وليحسّن و لضمان أكبر قدر من التّوفيق في المهمّة الصّعبة لاختيارات الحكومة الفتيّة وقع تمرير الميزانيّة التّكميلية التي لم يبطء المجلس التّأسيسيّ في مناقشة فصولها ، فليس للحكومة وقت تضيّعه في النّقاش،
واعتقد الجميع أنّ الانجازلن يتأخّروبانطلاقه يبدأ الوضع المزري الذي آلت إليه البلاد بالتحسّن و ينصرف العباد إلى العمل و السّعي في اطمئنان و ثقة و يقلعون عن اتيان سلوكات معرقلة كالتّظاهر والاعتصام و قطع الطّريق و الوقوف الاحتجاجيّ .. اعتقد الجميع أنّ استتباب الأمن سيغدو حقيقة معيشة بعد أن ظلّ شعارا ينتظر تجسيمه ابن الوطن و الأجنبيّ مستثمرا و سائحا ، و لكن هيهات فالانتظار طال و الصّبر نفد و الوضع تعقّد و لم تفلح التنقّلات الوزارية المنظّمة لمختلف الجهات المبشّرة بالفرج القريب و العارضة لبرامج التّنمية التي تمخضت عن اجتهاد الفريق الحكوميّ النشيط و الشّارحة لخياراتها الصّائبة . لم تفلح هذه الزّيارات في إعادة الثّقة للنّفوس الحائرة المشكّكة وفي إسكات الأفواه المذكّرة بأنّ نصيب هذه الجهة أو تلك لم يبلغ المأمول ولم يقنع القنوعين و المعلنة أنّ التّهميش متواصل ... زيارات تصوّر منظّموها أنّهم استنبطوا الطريقة الأمثل في التّواصل والأسلوب الأبين للإقناع بسلامة الاختيارات و جدوى النهج التّنمويّ الذي قام عليه البرنامج الاقتصاديّ والاجتماعيّ .و للحصول على دعم مكوّنات المجتمع المدنيّ و مساندتها لإنجاح المشروع . لكنّ الأحداث بيّنت أن ّ تصوّراتهم لم تكن مؤسّسة بالشكل الذي يستجيب و المطامح المشروعة التي عبّرت عنها القواعد في جهاتها .
أثبتت الأحداث أيضا أنّ في المجتمع من يتربّص بهذه الحكومة يحصي عثراتها ويبني سخطه على ذلك فالانفلات الأمنيّ يتفاقم يوما بعد يوم والاعتداءات المكشوفة على الفكر و الفنّ و الإعلام و الصّحافة تتكرّر و باستمرار و تتّسع و باطّراد و مداهمات مقرّات الأحزاب والمنظّمات والأمن و النّيل منها بالتخريب و الحرق تتجدّد والتّصريحات المحرّضة تتعالى من الدّاخل و الخارج لتحقن الأجواء وتثير المشاعر و تساهم في تهييج من فاقت غيرتهم على الأخلاق سماحة المعتقد و من أعماهم الاندفاع و التشدّد عن تلمّس الحكمة والتّبصّر في التّعامل مع المحاولات الاستفزازيّة التي يأتيها مستهترون اتّخذوا الحرّية مسحاة حفر عمّقوا بها الهوّة التي تفصلهم عن
تراثهم .
و لسائل أن يسأل : وأين الحكومة الرّشيدة من كلّ هذا؟ أين هي من الفوضى ، من هذا الغليان الذي ينذر و لا يبشّر ؟ أين هي من الحرّيات تنتهك باسم الحرّية مرة و باسم القانون طورا و باسم الدين تارة أخرى ؟
يثير الواقع التّونسيّ اليوم الاستغراب ، لقد تبلورت فيه بعض السلوكات المتناقضة المتصارعة في السرّ و العلن يأتيها مشرّقون ومغرّبون بما في الكلمتين من أبعاد كلّ يدّعي امتلاك الحقيقة وأنّه على النّهج الصّحيح و أنّ من حقّه أن يتحرّك بالطّريقة التي يراها تحقّق الغاية و تركع الأخر إن لم تلغه . هي تجاذبات فكرية وحزبية و عقائدية تغذّي الخلاف الطبيعيّ و توسّع رقعته وترفع من حدّته وتجد له في الرّافضين و المرفوضين على حدّ السّواء المتّكأ الذي يحوّل التّنظير فعلا والتّصريح عنفا و النّقد تجريحا .

ما للعلاج يتأخّر إن كان التشخيص قد تمّ بنجاح ؟ لم هذا الحذر الشّديد في مواجهة هذه الأحداث ؟ هل المصلحة الوطنيّة تقتضي هذا اللّين في التّعامل ؟ أم هي الديمقراطية المتبصّرة تستدرج المتطرّفين إلى وسط اللّعبة السّياسية آملة تقليم أظافر الخادشين للسّلم الاجتماعي ّ والوحدة الوطنيّة ؟ قد يكون الأمر كذلك.. هل هي الديمقراطية الحديثة تدين الاستفزاز المدروس و العفويّ حتّى تقطع سبل الاحتقان ؟ يجؤز ذلك أيضا... فالحكم الرشيد يقتضي فضح الجهات المسيئة للوطن، والوطنية تدعو الجميع إلى التّعالى عن التّجاذبات ووضع المصلحة العليا فوق كلّ اعتبار .
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire