
إنّ البحث في استنباط طرائق مرغّبة في المطالعة يدعونا إلى التّعريج على مسألة هامّة للغاية تتعلّق بدُور النّشر و ما تعرضه من عناوين لا تفي بالحاجة ولا تلبّي الرغبات فلا المكتبات الخاصّة ولا العموميّة ولا المدرسيّة تقدّم لروّدها قائمات تتجدّد باستمرار و تتناول مختلف المجالات من علمية و أدبيّة و عقائديّة وتاريخيّة و..و.. فحتّى الواجهات البلّورية العارضة للجديد من الاصدارات ضنينة لا يطالها التغيير على مدار السّنة وكأنّما القرائح جفّت ولم تعد العمليّة الإبداعيّة ممكنة في ظلّ التصحّر الثقافي الذي يعيشه المجتمع الصّامت حينا و الملجم أحيانا ، الخائف في كلّ الأحوال .
وكثيرا ما يتخلّف الإعلام عن القيام بدوره في التّعريف بما يظهر من عناوين جديدة و إن قلّت و في تقريب المنتوج من القرّاء ، لا ينكر أحد ما للإشهار من فاعليّة في التّأثير على الجمهور ومخاطبة رغباته و توجيه اختياراته ، لكنّ الملاحظ هو إفراط في الدّعوة إلى استهلاك المادّي ّ و تفريط في الدّعوة إلى الإقبال على الأدبيّ ، فالمعلّقات و اللّوحات و الإعلانات تطالعنا بالجديد من الصناعات الغذائيّة و الإلكترونيّة وبجديد الموضة و الملابس ... و لكنها تسكت عمّا تفتّقت عنه قرائح المبدعين فغذاء العقول لا يجد المساحة المناسبة ولا تخصّص له العناية اللاّزمة ولاترصد له الميزانيّة المستحقّة ليلقى الرّواج الذي يلقاه غذاء البطن .

ومن المعيقات الهامّة في رواج الكتاب أو في عزوف القارئ عن اقتنائه ما يتّصل بإخراجه فقلّما سعد الواحد منا بالكتاب قبل أن يقرأه . فالغلاف و الأوراق و الخطّ و الرّسوم ... مسائل يراها البعض هيّنة أو ثانويّة وهم في ذلك يجانبون الصّواب إذ لا يخفى على نبيه تأثير جسديّة الكتاب في المقبل على القراءة . ولأجل ذلك استعانت دور نشر غربية بخبراء في علم النّفس التربويّ وعلم التّزويق حتى يكون لإصداراتها الوقع الجيّد و الرّواج المحقّق . إنّ فنون الإخراج تملي على القارئ نوعا من التّعامل يلائم الكتاب و قد اعترفت دار نشر فرنسيّة عريقة أنّ إعادة نشر سلسلة من الكتب القيّمة ، و التي لم تلق الرّواج المنتظر رغم قيمة المؤلّفين و ثراء المحتوى ، إعادة نشرها بإبدال الغلاف و تغيير خطّ العنوان قد ضاعف المبيعات أربع مرات.
ومن جهة أخرى أثبتت الممارسة داخل الأقسام أنّ االتّلاميذ يرغبون عن الكتب المقدّمة إليهم بعد أن تداولتها الأيدي لسنوات فآذتها و شوّهتها و عبثت بها . إنّ نفور أبنائنا التّلاميذ له ما يبرّره فكتاب بتلك الجسديّة يثير ردود فعل سلبيّة و يحدّ من الرّغبة .
فما لم تجد الحواسّ لذّتها لا يسعد العقل و لا تطمئنّ النّفس وإنّ مقارنة بسيطة بين ما يعرض على أطفالنا من قصص و مجلاّت وما يقدّم لأطفال أوروبّيين تقود إلى استنتاج سريع لكنّه سليم وهو أنّ حرصنا على كسب ودّ أبنائنا هو دون حرصهم و أنّ حظوظ أبنائنا من التّعلّم الذّاتي أقلّ من حظوظ أبنائهم . فحتّام نعرض على أطفالنا ما لا يروق و لا يرغّب ؟ وحتّام نتجاهل المتعة الحسّية التي تمثّل جانبا عظيما من جوانب البحث عن الجمال و نغضّ الطّرف عن دورها في الإرتقاء بذائقتنا الفنّية ؟

لقد اهتدت دور النّشر الغربيّة إلى مسائل تبدو في ظاهرها بسيطة لكنّها على قدر كبير من الأهمّية كتخصيص جزء من الصّفحة الأولى للإهداء أو كالإعلان المسبق عن إصدار جديد في قصاصة جميلة الإخراج تتضمّن فكرة مشوّقة يتمّ توزيعها غلى نطاق واسع . فهل من مانع في أن نقتدي بمن أفلح ؟ .


Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire