رسومات على ريش الطيور 195814.png

samedi 8 septembre 2012

الأميّة الجديدة






     

        تتبع المتعلّم  من يوم دخوله روضة الأطفال إلى يوم خروجه من الجامعة، فهل تراه يقرأ ؟ إن قرأ ، فكتب المدرسة أو ملخّصات المعلم أو فكاهات الصحف أو التعليقات الرّياضية المبتذلة .أو ثرثرة مبتذلة يملأ بها العابثون صفحات التواصل الاجتماعي .
 إنك تراه ساعة الدرس وأذنه إلى فم الأستاذ، ويده على القلم، وعينه على الدفتر، يختصر ما  يمكنه اختصاره ، ويسجّل ما وسعه التّسجيل  ؛ وتراه ساعة الفراغ يحاول أن ينقش ما سجّله  بالتكرارعلى صفحة ذهنه ، فيصدّع رأسه بترديد ما لا يفهم ، ويغثي نفسه الكليلة بتجريعها مالا تستطيع له هضما .
       حتى إذا خرج من المدرسة خرج مكروباً لامنجاة له من الكلال والسأم، فينفس عن صدره بالفكاهة الرخيصة أو القراءة السهلة ! فإذا نال الشهادة بالحفظ و الغشّ تبعه هذا النفور إلى منصبه إذا كان عبد الوظيفة، أو إلى مكتبه إن كان حرّ العمل، فيكره القراءة لأنه يتذكر درس (المطالعة)، وتعاف نفسه القراءة لأنه لم يعوّدها مصاحبة الكتاب  في حلّه و ترحاله ، فيفتقرعمله إلى النجاعة ويبهت أمله مادام التعمّق والتطلّع لا يمثّلان مطلبا، فيعود كما بدأه الله أمّياً يعمل بالإرشاد، وفطرياً يهتدي بالغريزة.
     أستغرب انشغال المرءعن الكتاب و أستغرب زهده في المعرفة إنّه لأمر محيّر فحال الكتاب معه كحال " صالح في ثمود " وأنّى لمن أدار ظهره للكتاب أن يحقّق شيئا من سعادة الرّوح وأن يظفر بشيء من السّكينة ! يعيش تارك الكتاب على هامش الحياة و لا يظفر تارك القراءة بلذّة الاكتشاف . ومن لم يصاحب الكتاب فلا صاحب له ولا أنيس يدفع عنه سأم الوحدة  وملل الانتظار . أرى الأجنبيّ يقرأ ما وجد للقراءة سبيلا في وسيلة النّقل العموميّ و في قاعات الانتظار وفي الحدائق و على الشواطئ وفي بيته و قبل نومه ...وأرى بني جلدتي يحتسون القهوة وكأس الشاي ويلعبون الورق والنرد و يدخّنون اللّفافات  ينفقون الوقت الثمين في ما لا يفيد أراهم في المقاهي و الشّوارع و المحطات وفي المكاتب و الإدارات و البيوت لا يلتفت الواحد منهم إلى الكتاب ولا تحدّثه نفسه بقراءة أمر بها ليكون إنسانا ، ليكون عاقلا .كلما ابتعدنا عن الكتاب ورفضنا القراءة أجدبت حياتنا وتصحّرت عقولنا و لفّنا الجهل بسواده 





Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire