رسومات على ريش الطيور 195814.png

samedi 31 décembre 2011

صفاقس بين الأمس و اليوم




           من أبرز مظاهر التمدّن نظافة المحيط  فالمدينة النظيفة والشارع النظيف و الحديقة النظيفة و اللباس النظيف و..و.. علامات وعي و دلائل حسّ مدنيّ لا أشكّ في اجتماع الناس حول هذا الرأي و لا أظنّ أنّ منهم من يقول خلاف ما قلت .هي مسلّمة لا تحتاج إلى كثير برهنة , ورغم ذلك فالواقع يكشف أنّ وعينا ضعيف يكاد ينعدم وأنّ حسّنا   المدني  لم يبلغ الدرجة المأمولة بل أن إيماننا قناع لا غير.. 

           هذا حالنا في مدينة صفاقس ، المدينة التي كان يضرب بها المثل في النظافة ، مدينة عرفتها منذ الخمسينات من القرن الماضي وأحسست بأمنها وأمانها واستحسنت جدّأهلها واجتهادهم ..
          مدينة أنفقت فيها سنوات الدراسة الابتدائية ، أدخلها صباحا و أغادرها مساء ، ولا أفارقها زوالا حين يعود أغلب العاملين داخلها ممّـن لا يقطنون المدينة العتيقة إلى بيوتهم في جنان محيطها الغابيّ على حدّ تعبير سكان صفاقس  فساكن الغابة هو من لا يقيم بالمدينة العتيقة
         صلتي بالمدينة إذن وطيدة و معرفتي لتعرجات أنهجها و سحر أسواقها و طيبة تجارها لا تخالطها ضبابية 
           ما تزال تنقر ذاكرتي أصوات العنزات توجههاعصا " المالطي" دون أن تلسعها تجوب الأنهج الضيّقة و قد ترنّحت ضروعها المنتفخة الممتلئةحليبا وما تزال نبرته الحادة ترنّ في  أذني و هو ينبّه السّكان ليقتنوا ما يحتاجونه من حليب صاف.
ما تزال تنفذ إلى أنفي رائحة  "المطهّر" تتضوّع في الأنهج تنشرها " عراجين" من أغصان الصفصاف المعلقة في الأركان هنا و هناك و التي يقع تجديدها كلما انتهت فاعلية المطهّر 
وما تزال تدغدغ حاسّة شمّي روائح ذكيّة شهيّة كلما اقتربت من الأبواب الشرقية للجامع الكبير قاصدا " الرمّانة " لأشتري لمجة الظهر أتلذّذها متربعا على " سطحة "الجامع.
في طريقي إلى المدرسة الابتدائيّة للذكور بالباب الغربيّ " مدرسة الشّباب " أمرّ أحيانا متعمّدا بنهج العدول لا لشيء سوى لأملأ رئتيّ برائحة لذيذة تشتهيها نفسي : رائحة الأخطبوط  القرقنيّ المجفّف ..
          وإذا ما حان وقت العودة إلى البيت الواقع على بعد خمسة كيلومترات من قلب المدينة و اتجهت نحو محطّة الحافلات فاحت في الساحة المقابلة لباب الجبلي رائحة "القسطل المشويّ" تنتشر مع أدخنة الفحم قبل أن يتحوّل جمرات متوهّجة رائحة يسيل لها اللّعاب .ما غاب عن ذاكرتي حرص العمّال في بداية كلّ أسبوع على غسل الأزقّة والأنهج وقدتناغمت حركات المكانس مع ألسنة المياه يصدرها صهريج العربة المتأنّية في سيرها كذا كان حال مدينتي .
     لا أدّعي أنها كانت مدينة العجائب و لكني لا أعدو الحق ّ حين أقول إنّها مدينة البساطة والنظافة .. مدينة الجدّ والاجتهاد ..مدينة الأمن و العمل أقول ما أقول و الأسى يملأ النفس لما أصاب الجوهرة اليوم من خدوش لا أقدر على وصفها ومن اتّساخ لا تستسيغه عين مقيم فكيف لاتفزع  منه عين زائر وضيف ؟ 
          أمرّ أحيانا ببعض الأنهج التي اعتدت اجتيازها لأنّي كنت صديق دراسة لعدد غير قليل من التلاميذ ساكني المدينة العتيقة و كنت أتردّد على زيارتهم في بيوتهم للمراجعة حينا   و للمؤانسة طورا فتعتريني قشعريرة و يجتاحني شعور بالمرارة حين تدهمني روائح "الغراء" التي تسرّبت من البيوت بعد أن هجرها أهلها و تحوّلت ورشات لصنع الأحذية 
        لكم يحزّ في نفسي أن أرى تراثا معماريا هامّا يتلاشى تحت أنظار المسؤولين تصيبه معاول الهدم ويقوّضه الاهمال و تشوّهه الأنانية و الطمع .لكم يؤلمني أن تغيب تلك الرّوائح الطيبة تنبعث من شبابيك المطابخ لتعلن للزائر و العابر أنّ ربّات البيوت على قدر كبير من الحذق و التميّز في فنون الطبخ التقليديّ . ما عدت اشمّ اليوم و أنا أعبر زقاقا ضيّقا رائحة الحبق أو النعنع أو الملوخية  وما عدت أسمع صوت الرحى الحجرية تديرها يد امرأة حاذقة تطحن درعا أو حمصا لتعد لأطفالها كلّ يوم فطورصباحهم المتوازن. بقدر ما تؤذيني روائح زيوت القلي الكريهة تنبعث من المطاعم الرخيصة المنتشرة هنا وهناك و تزعجني أصوات المطارق يخالطها نشاز بيّن و هي تدقّ بشراهة لتثبّت أجزاء حذاء ، و تحاصرني أيدي الباعة الجوّالين الممتدّة من كل جانب تعرض سلعا رديئة لست أدري ما الذي أتى بها إلى مدينتي من أقصى الشّرق .
اختفت مظاهر كثيرة كنت أطمئن لرؤيتها واجتاحت المدينة الآمنة موجة خراب مفزعة 
لم تأت فقط على العمارة التقليديّة الفريدة من نوعها و لكن أصابت الحياة في الصميم ..    لم يعد يعرف الصفاقسي ّ مدينته وشوارعه و لا أهله ولست أعني هنا التطوّر الذي يلحق الأشياء كلّها و إنّما أقصد ذلك التشويه المريع الذي جعل أنظف المدن أشدّها اتساخا وأأمنها  هي الأكثر اضطرابا و توجّسا تستبيح أقبيتها الجرذان و تملأ أركانها القمامة ..
لم أعد أشعر بلذّة اختراق المدينة أفضل الدوران بحذاء سورها على أن أصدم في كل نهج و زقاق في كل منعرج و ركن بما يسيء للحواسّ و يحزّ في النفس و يضرّ بالبدن  
     يا للّه لهذه المدينة الضحيّة ! ياللّه لذلك التراث المعماري  المنسيّ !







1 commentaire:

  1. Vivement une Association de Sauvegarde de la Medina puissante et une réhabilitation d'au moins certains quartiers de notre belle Ville Arabe. Nassim.

    RépondreSupprimer