أفي حاجة نحن إلى داعية من بلاد الكنانة ؟ هل المجتمع التّونسيّ في حاجة إلى من يزرع فتنة و يفرّق صفوفا و يصنّف الناس صنفين : ديموقراطيّ كافر و سلفيّ يقيــم شرع الله ؟ ألم تنجب تونسنا الحبيبة أئمّة يطمئنّ العاقل إلى أقوالهم و يثمّن الباحث جهودهم أئمّة أدلوا بدلائهم في الفقه و التفسير فشهد لهم القاصي و الدّاني بعمق النّظر و صدق التدبّر؟ فما الدّاعي إلى استحضار الدّاعي مكفّر الرّجال و مشوّه النساء ؟
أسفي على مجتمع وسطيّ استباح حرمته دخلاء هيّأ لهم متطرّفون الطريق ليخطبوا في العامة خطابا عاطفيا يتعالى له تكبير من لم يفقه في الدنيا معنى التعقّل و التدبير وقد أمرنا بهما ديننا الحنيف . أسفي على مجتمع غدا رهينة في أيدي ثلّة من المنغلقين على ذواتهم المتشبّهين في تـزييهم بأقوام ما نطقوا الضّاد ،همّهم تمرير رؤاهم الضبابيّة مستخدمين الدين متّكأ و" المتديّنين " أبواق "تبليغ" . أسفي على بيوت أضحت منابرها تئنّ تحت أقدام خطباء لا يجادلون الناس بالتي هي أحسن خطباء يبحثون عن الموضوع من الحديث يعتمدونه حجّة على مواقف غريبة لا يقبلها منطق ولا يؤيّدها طبّ وما أنزل الله بها من سلطان ، مواقف هم أحرار في أن يتبنّوها ولكنّنا غير ملزمين بها ولا معنيين، فلنا مواقفنا التي نستلهمها من واقعنا وإن كان لهم أزهرهم الشريف الذي يفاجئنا بعض علمائه بين الحين والحين بإفتاء تضجّ له العقول شأن عملية رضاع الرّاشد حتّى لا يحرّم عمله مع الأنثى في مكتب واحد، فلنا زيتونتنا بنورها نهتدي و بعلم خرّيجيها نقتدي . متى كان التّونسيّون يخوضون في مسألة ختان الفتيات ؟ و هل المسألة تستحقّ دعوة من يرى العملية تجميليّة تزين الأنثى ؟ ولا يراها اعتداء صارخا على كيان بريء . أعجب العجب كلّه ممّن يتحدّث عن الجمال الأنثوي ثمّ تراه يأبى أن يتعرّض وجه الأنثى للنّور! . تبّا لمن لايرى الانتشاء حقا من حقوق المرأة كما هو الشّأن بالنّسبة للرّجل .
ما يحيّر العقل في زمن الفوضى أنّ بلادنا التي ضربت المثل في الإطاحة بصرح الاستبداد ينجم فيها من يمارس الاستبداد بالعاطفة فيملي على العامّة ضربا من التفكير الخرافيّ البعيد عن كلّ تبصّر وحكمة . ما يحيّر العقل أنّ من يدّعي امتلاك الحقّ لا يدرك أنّ الحقّ الذي امتلكه ،إن صحّ ذلك ،جزئيّ لا يخوّل له الاعتداء لا الماديّ و لا اللفظيّ على من لم يشاركه الرّأي . ما يؤلم أنّ دعاة الحقّ، كما يتهيّأ لهم أو كما يصفون أنفسهم، تمتدّ أيديهم لتؤذي و تنعق ألسنتهم بالتكفير و اللّعن ، وما خطر لهم على بال أنّ الدّين الذي يظنّون أنّهم فهموه حقّ الفهم وامتلكوا ناصية علومه ، ينبذ الغلظة ويحجّر الاعتداء و أنّه منهم بريء فسلوك المسلم هو الاستقامة و لغته هي القول المعروف و خيَرَته هي الأيسر. وما يؤلم أنّ السّلطة الرّسميّة في بلادنا لا تبدي موقفا صريحا لا يقبل تأويلا فحضورها بالغياب أو سكوتها في الحضور أمر في الغالب مقصود بل مدروس .كيف لا تسكت سلطة كثيرا ما وصف الممتبّعون خطابها بالمزدوج وهي التي روّجت في حملتها الانتخابيّة ما فهم منه الناس أنّ زمن التمدّن و التّغرّب قد ولّى؟ كيف لا تتجاهل سلطة مزدوجة الخطاب اقتحام غرباء لحرم معرفيّ لا يروقهم أن تمارس في رحابه عمليّة التواصل البيداغوجي الطبيعيّة ؟ و أن تعرف فيه هويّة المتعلّم لا تحجبها الأقنعة السوداء.وكيف لا تسكت سلطة كتلك وقد اكتسح بعض مساجدنا قوم يخيفهم اعتدال الخطباء و يقلقهم أن تعكس خطبهم سماحة الدّين و يسره وبعده عن الغلوّ و التّطرّف يفرضون بعنجهيّة آراءً متطرّفة غريبة لا اجتماع حولها ولا صلة لها بأصول يحترمها الجميع .
أيّها التونسيّ العظيم لا تغرنّك لهجة بعض أبناء النيل و إن حلت و لا تغرنّك حماسة خطيب رأس ماله مداعبة العواطف و إثارة المشاعر . لك في التحرير و التّنوير ضالّة السائل ولك في صاحب التحرير و التنوير المرجع و الدليل .و لك في غيره من علماء هذا الوطن المعطاء النّموذج في الاعتدال و الوسطية و الاجتهاد السّليم . في ما مضى كان الشرقيّ بعلومنا منبهرا ولعلمائنا مجلاّ مقدّرا،يحلّهم المحلّ الأرفع ويتبنّى آراءهم لأنّه يراها الأنفع،و "الخضر حسين "مثال على ذلك ، فما لنا اليوم لا نجد في ما حبّره أئمّتنا ما يشفي الغليل ؟ وما لنا نجد فيما يأتي به الشّرقيّ الحكمة البليغة و الحقّ المطلق وإن تطرّف وحاد عن سواء السبيل ؟ أبناء تونس العزيزة ليس من حقّ مفرّق الصفوف أن يؤمّ الصفوف وليس من حقّ محرّم الديمقراطيّة أن يشرّع للثائرين على الاستبداد بديلا عن الممارسة الديمقراطيّة هذه الآلية الناجعة لتصريف شؤون العقلاء إذا اختلفوا. فأهل مكّة أدرى بشعابها وليس من حقّ من اعتقد أنّه امتلك الحقيقة الكلّية أن يلزمنا بها فلنا حقيقتنا التي تختلف عن حقيقته كما اختلفت حقيقة المالكيّ عن حقيقة الشّافعيّ .

هل خرجنا من خوف السلطة لندخل في الخوف من من ضنوا أنفسهم أقرب من الله؟ قولي لهذا الطيف قول الله تعالى : "ياأيها الذين آمنوا أجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض "الظن أثم
RépondreSupprimer