
عادت حليمة إلى عادتها القديمة ، و عادت الغازات الخانقة تعطّر الشّارع الرئيسيّ للعاصمة التّونسيّة ، تدمع العيون و تدمي القلوب و عادت الهراوات تلاحق الهامات المرفوعة و تلسع الظهور تذكّر الشّاهد و الغائب بممارسات نظام بوليسيّ لم يأل جهدا في تكميم الأفواه و شلّ الحركات و منع التّظاهر و تجريم المعارضة ، ببساطة لم يدّخر جهدا في تبليد العقل التّونسيّ .
وبعد سنة و نيّف عن قيام ثورة الحرّية و الكرامة ثورة تغلّب فيها الشّعب المقهور على خوفه ، فانتصر على جلاّده ، بعد سنة ونيّف من التدرّب على المشي المتوازن ، من التدرّب على إعادة التّأهيل لمجتمع مدنيّ كاد ينسى معنى التجمهر احتفاء بذكرى مجيدة من ذكريات الوطن الحبيب و تخليدا لتضحيّات وطنيين كان التّظاهر عندهم من أشكال النّضال المشروعة الهادفة إلى استرجاع السّيادة و استشعار العزّة . بعد استرداد الحق السّليب في الاصداع بالرأي الحرّ و المسؤول يحدث الانزلاق ولم يكن وقوعه مستبعدا ، و يغيب التّعقّل و الحكمة في التّعامل مع جماهير يدعوها حذرها و أملها إلى الخروج إلى الشّارع الذي لاذ به الوطنيّون المنادون بالبرلمان التونسيّ المدافع عن الحقّ الوطنيّ و الحامي له . نعم لم يكن غياب التعقّل و الحكمة من الأمور غير المتوقّعة ، فقد سارعت قوّات الأمن الداخلي بزيّها الرسميّ وبمعداتها الرّسميّة و تجهيزاتها المتطوّرة تساندها عناصر لا تشبهها في التزيّي و التجهيز يقول عنهم المسؤول الإعلاميّ بوزارة الدّاخلية الموقّرة إنّهم تجار الشّارع الخائفين على محلاّتهم تركوها ليواجهوا المتظاهرين يوم عيد الشهداء .. سارعت إذن تلك القوات المطعّمة بـ"مليشيات " فضحتها ألسنتها لتتصدّى للعاقّين المارقين من أبناء الشّعب و ليكون التّصدّي بالعنف الناسب لحجم التّظاهر و حجم الاصرار على ممارسة الحق بالعنف الذي تفضحه الصّورة وبالملاحقة الجادّة التي كثيرا ما غابت في التّعامل مع خارجين عن القانون في الحرم الجامعيّ وأمام المسرح و في أماكن أخرى عديدة ملاحقة من رفعوا الراية التونسية التي أهانها آخرون وررفعوا سواها جهلا و خيانة ملاحقة من تقدّموا بالورود للساهرين على حفظ النظام لا العاملين على نشر الفوضى !
لقد سعى المتظاهرون إلى التّذكير بأنّ 9أفريل 1938 ليس بالتّاريخ المجهول أو العاديّ و إن لم يقع الاحفال به منذ عقود على أهمّيته في التدليل على الحقّ الذي استشهد في سبيله التّونسيّ حقّ الحياة الحرّة الكريمة و في البرهنة على أنّ للشّعب حنجرته المدوّية التي لا يمكن خنقها بالغازات و له كلمته المسموعة التي يعسر وأدها مهما استحدثت الوسائل و تعدّدت المحاولات ودعيت المليشيات في سابقة خطيرة لتشهر عصيّها في وجوه المتظاهرين.
أراد الشّعب ذات 14 جانفي 2011 الحياة ، أرادها حرّة كريمة وكان له ما أراد فمن العبث إكراهه على ما لا يريد . فحقّ التّظاهر المقدّس لم يعد يشاهد عند غيرنا من الأمم النّاضجة فقط و لأنّه مقدّس فلا يجوز لسلطة رشيدة أن تمنعه و إلاّ فإنّها تحذو حذو من جرّب المنع و أمعن فيه و فشل و تبرهن بوضوح على أنّها لم تستوعب الدّروس من أخطاء من لم يفلح في خنق الحرّيات و مصادرة الحقوق .
من المؤسف أن تطالعنا اليوم في ذكرى شهداء الوطن مشاهد القمع من جديد تعلن أنّ السّياسيّ التّونسيّ حين يعتلي سدّة الحكم ينسى المبادئ التي ناضل من أجلها و يتنكّر للقيم التي آمن بها و يضرب الحقّ بعصا الشّرطيّ وهراوات المليشيا و يعمي الأبصار بقنابل الغاز المسيّل للدّموع . هكذا يمارس الحاكم الجديد ما كان يبغظ و لست أدري إن كان التصدّي للمتظاهرين بالشّكل العنيف الذي حصل حلاّ لإشكال لم تنجح في حلّه جميع الطّرائق المتوخّاة من سلف جرّب العنف و القمع حتّى جرفه تيار الغضب الشّعبيّ . فهلاّ تعاملنا بنضج العقلاء مع أحرار وطن لاتسجن كلمتهم في الصّدور ولا تقيّد حركاتهم و تحرّكاتهم بمسارات مفروضة مرفوضة .وهلاّ تخلّينا عن طرائق همجيّة في المحافظة على النّظام و تأطير المتظاهرين ؟ وهلاّ تجنّب المحتفلون بعيد الثورة سلوكات مرفوضة مارسها بشرعيّة الوطنيّون ضدّ المحتلّ في زمن ولّى بغير رجعة ولا يجوز استنساخها لنواجه بها أمننا الوطنيّ وإخواننا مهما كان توجّههم؟؟ إن لم نتعلّم من أخطائنا فذلك يعنى أنّنا لا نريد إصلاح نفوسنا و نضمر بالتالي خلاف ما ندّعيه من حياد و موضوعية في التّعامل مع الأحداث و الأشخاص.فكفانا مراوغة و استغلالا لعواطف النّاس والظهور دوما بمظهر المضطهد .

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire