رسومات على ريش الطيور 195814.png

samedi 14 avril 2012

في البرلمان

       
Coat of arms of Tunisia.svg
        
        في مجلسنا النّيابي الموقّر مؤشّرات عديدة تحيل على وجود  مؤسّسة تشريعية من نوع خاص سمتها التقابل و لست أعني تقابل الرؤى و التوجّهات فالأمر ليس مبتدعا و لا تختصّ به بلادنا و لست أقصد تقابل المظاهر و الهيئات فقد اعتادت العين رؤية ذلك التنوّع والاختلاف الراجع لأصالة البعض و تقليد البعض الآخر شرقا و غربا و إنما الذي أعنيه سلوكات رجال ونساء تتأرجح بين الرّزانة و الانفعال بين المسؤوليّة و العبثيّة .
          لا أعدو الحقّ إن قلت أيّا كانت الأحوال فحاضرنا يفضل ماضينا و لنا في البرلمان أفضل دليل هذه حقيقة بيّنة لا يجادل فيها العقلاء . لم تكن للمنتسبين لهذه المؤسّسة التشريعية الهامّة على مدى عقود ألسنة لا تسكت عن ظلم و أصابع توضع على مواقع الدّاء  و آراء قد تزعج مسؤولين في الدولة .. كلّ ما كان يبلغنا عن المجلس مشاهد تذكّرنا بالدمى المتحرّكة العاجزة عن التبليغ بذاتها و القادرة على إثارة الضحك حتّى لا أقول السّخرية أو بلقطات من أشرطة صامتة لازم الخرس أصحابها نفس الكاميرا التي صورت جلسات النوّاب النوائب  المباركين المؤيّدين الغائبين بالحضورو الخاضرين بالغياب  تسعفنا اليوم بالمشهد المخالف بالصوت المسموع علاوة على الصّورة التي لم يجمّلها مقصّ و هذا يحسب لإعلامنا في نقلته النّوعية بعد أن تخلّى عن دوره الحقيقيّ لمدّة سنوات ليحوّل بوق سلطة يروّج لبرامجها و يلمّع صورتها و يطري رأسها المدبر الذي لا يتحرك أحد دون توجيهاته .سيّد يمنّ على رعيّته و لا يخدم شعبه يبتزّه و يبلّد عقله.غير أنّ الصوت المسموع لم يكن في أوقات كثيرة صوتا انتظرناه صوتا إذا نقد ترفّع عن التحامل و الثّلب و التجريح و السّخرية وإذا ثمّن لم يكن ذلك محاباة و اصطفافا و تملّقا .. أغلب الأصوات التي صدع بها كثير من النوّاب  أو همسوا بها ولم تكن نيّتهم إيصالها إلى مسامعنا أ صوات تفتقر إلى كثير من الحكمة و التروّي و تبتعد عن اللّباقة و الاحترام ..
           و مهما قيل عن الإعلام في فترة ما بعد الثورة الأخيرة و أيّا كانت المآخذ التي تسجّلها بعض الجهات و الأطراف الرسميّة خاصّة فإنّ صورته الحاضرة تبعث على الاطمئنان ، نعم لم يبلغ بعد من الحرفيّة شأنا عظيما و لكن من سار على الدّرب وصل ، إذن ينقل إلينا إعلام اليوم الصّورة الحيّة النّاطقة بما يدور في قاعة المجلس التّأسيسيّ و بما تجيش به صدور النّواب المحترمين و تطلقه ألسنتهم الفصيحة حينا و المتعثّرة أحيانا كثيرة فتتراءى لنا شخصيّات تنوّعت مشاربها واختلفت متّكآتها و تباينت مستوياتها الاجتماعيّة و الفكرية و الخلقيّة . وتنتهي إلى مسامعنا تدخّلات متفاوتة الأهمّية و المدلوليّة ، بعضها لو سكت عنه أصحابها لكان السّكوت أجدى و أنفع لأنّ الكلام الذي لا يفيد خير منه السكوت و التدخّل الذي يتجاوز فيه باثّه حدود الاتّزان و يعمد فيه إلى الإثارة لا إلى الإنارة أفضل منه الإحجام عنه فلو تذكّر المتكلّم أنّه قد يكلم النّفوس فلا يلتئم لها جرح ولوقدّم الأعذار و جدّ في الاعتذار فجراحات السنان تبرؤ لكنّ جرح اللّسان عصيّ لأنّه نتاج مخلوق لجّ في الجدال العقيم حتّى غدا خصيما مبينا ، وربّ كلام أقطع من حسام فيا من ضاق صدره اعلم أنّ أسوأ القول الإفراط فلا تجعل لسانك يتّسع فتصيب بقولك أبرياء وتزرع به حقدا و عداء  .
        أقول ذلك لأنّي سمعت من بعضهم و ضمير الجمع لا أقصد به الجنس الواحد ما لا يرتضيه ذوقي و لا يستسيغه خلقي وإن لم أكن على خلق عظيم .و في المقابل تراني أتابع بارتياح أقوالا أخرى جاءت على ألسنة متدخّلين أجبروا المتابع على الانصات فليس كلّ من سمع وعى و ليس كلّ من سلمت أذناه فقه بهما ما يقال . فشتّان بين مجلس اليوم و الأمس بين مجلس شعاره المصادقة و المبايعة و الصمت في أفضل حالات عدم الرّضا و آخر تعدّدت لهجات الخطاب فيه و تنوّعت المواقف ممّا يعرض عليه و تلك لعمري شهادة أخرى على أنّ التّونسيين يشهدون شكلا جديدا للعمل البرلمانيّ الذي لا يقال في المنتمين له قول الشّاعر :
              في كلّ أرض وطأتها أمم           
                             ترعى بعبد كأنّها غنم
      تعدّدت الأصوات و في تعدّدها خير لا محالة و إن كنت أميل إلى أن تكون أصوات نوابنا هادئة ناقدة كانت أو داعمة لائمة كانت أو مادحة فالانفعال الذي ميّز بعض التدخّلات يؤكّد أنّ العاطفة لدى الكثيرين ماتزال تطغى على العقلانيّة و لا أعتقد أنّ مخاطبة عقول النّاس ينبغي أن تعتمد اللّهجة العالية و الكلمة الجارحة و الحركة العصبيّة بقدر ما تحتاج إلى  طيبة الكلمة و لين الجانب و صفاء السّريرة .
      وتعالت بعض الأصوات و في ارتفاعها دليل ضعف فمن تخونه الرّزانة ويجانبه الاتّزان يطلق للسانه العنان فيعلو الصّوت ليصّم لا ليسمع و ليزبد لا ليفهم .  وهكذا يتنكّرالنائب لآداب الحوار ويواجه من "حكيم"يرأس الجلسة وقد أعوزته الحكمة في السيطرة على الوضع فاستعمل الحقّ وزيادة .و أساء من حيث أراد الاصلاح .


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire