رسومات على ريش الطيور 195814.png

mardi 24 avril 2012

أيّ سلطة لأيّ ثورة؟

       


أيّ نوع من السلطة أنتجته الثورة في تونس ؟
     لم تكن النّخب المثقّفة و لا المنظّمات الوطنيّة ولا الجمعيات على قلّتها و لا الأحزاب السّياسيّة المعترف بها أو التي تعمل في الخفاء ، لم تكن جميعها فاعلة  في كتابة سيناريو الثورة التونسيّة باكورة الثورات العربيّة . فقد تبنّت الخطاب الخشبيّ بولائها اللاّمحدود أو بصمتها المشبوه في أفضل الحالات .
      لم تظهر أيّام الثورة راية سوداء ولا هلال أزرق ولا مطرقة ومنجل ولم يصرخ ملتح " الشريعة مطلبنا "ولم يرفع أمرد عقيرته بالصّياح قائلا : "حرّية الإبداع ليس لها حدود "و لم تتجرّأ متحررة الإسلاميين على المطالبة بحقّ الأمّ العزباء. أمّا وقد نجحت الثّورة وركب على ظهرها من ركب صارت الأصوات مجلجلة و الأقلام سيّالة والرّايات خفّاقة و موائد الحوارالمختلفة الأشكال ساخنة غوغائيّة تألم لها العقول وتتعب الأرواح دون أن تظفر بالرّؤية الواضحة والبرنامج المقنع . 
        قامت الثّورة و كان لابدّ لها أن تقوم ، فقد بلغ السيل الزّبى و لم يعد الشّعب التّونسيّ بفقرائه و رجال أعماله بمثقّفيه و أمّييه بعملته وعاطليه ..لم يعد يتحمّل نزوات متسلّقين متسلّطين أشباه حكّام صارت لقمهم أكبر من أفواههم و أحلامهم أرحب من خيالاتهم و أطماعهم أوسع من أن يشبعها تحيّل ويرضيها اختلاس و تسكتها سرقة . لم تعد النّفوس قادرة على قبول الإهانة والتّعدّي وقد استمرّا لسنوات ، وعلى استباحةعرق النّاشطين و أموال الصناعيين و التجّار و خيرات المربين و الفلاّحين وأفكارالباحثين المثقّفين وآراء الإعلاميين .. 
     حين خرجت جماهير الشّعب إلى الشّوارع تعلن نهاية اللّعبة القذرة لم تردّها هراوات الأمن الدّاخليّ و لم يصدّها رصاص قوّات مكافحة الشّغب ولم تثنها رشقات الرّدى يطلقها القنّاصة ، كان لابدّ لخفافيش الظّلمة من الفرار فما إن انبلج فجر الحرّية حتّى سقطت أقنعة المنتهزين وافتضحت مخطّطاتهم و تبدّدت أحلامهم و تهيّأ للمقهورين اختيار ربان يرسو بسفينة الثورة على ساحل الأمان وقد تلاطمت الأمواج من حولها و لعبت العواصف بأشرعتها و ها هي تشقّ العباب متأرجحة بين علوّ و انخفاض ينتاب راكبيها الدّوار و يتسلّل إلى قلوبهم الشكّ و الخوف من سلطة جديدة تعدّد مسؤولوها فبلغ رقما لم تسجله دول هي أكثر كثافة سكّانيّة و أوسع مساحة جغرافية و أغنى ثروات طبيعيّة و بشريّة .سلطة قلّت فاعليتها و تلكّأت في تدخّلاتها ، سلطة لا يجاري فعلها خطابها و لا تتناسب ردود فعلها مع الأحداث التي تندلع هنا وهناك ، سلطة تسكت عمّا يتطلّب الحزم و القول الفصل ، ولنا في أحداث كلّية الآداب بمنّوبة من تعطيل للدّروس و اعتداء على الإطار التعليميّ ونيل من الرّاية الوطنيّة ، وفي أحداث التّلفزة الوطنيّة من استباحة لحماها و تشويه لمحيطها و اعتداء أدبيّ ومادّي على موظّفيها و عمّالها و دعوة إلى خوصصتها ترديدا لرغبة مسؤول أزعجه الإعلام فأراد بيعه بالمزاد العلنيّ وهو حقّ من حقوق المواطن هو مصدرالمعلومة و الخبرالحرّ المحايد الذي لالون له ولا وصاية عليه.كحقّه في مؤسّسة عسكرية تحمي وطنه  فهل يجوز أن يتولى أمن الوطن مرتزقة يتناسب تفانيهم مع حجم مرتّباتهم ..وحقّه في مؤسّسة صحّية ترعاه لا خاصّة تمتص نخاعه ..نعم إنّ الدّعوة إلى التّفريط في مرفق عموميّ هام كالإعلام هو تنازل عن حقّ من الحقوق المشروعة لشعب هبّ لاسترداد حرّيته . 
     ثمّ ..من تراهم هؤلاء الذين اعتصموا هنا و هناك في الجامعة و في التلفزة التونسيّة ؟ من يتبنّاهم و من يرعاهم؟ هل هم من المختصّين في المجال لهم من العلم و القدرة على تقديم البديل الأرقى و الأجدى ؟ هل هم من الفاعلين المتخلّين عن مواقعهم المخلّين بواجباتهم ؟ أم تراهم من العاطلين الباحثين عمّن يسخّرهم للخدمة يطعم الأفواه و يضع في الجيب بعض الورقات النّقدية فتستحي العين ، كما يقول المثل التّونسيّ ، لكن للأسف لم يمنعهم السّخاء من أن يعتدوا و يهينوا و يفعلوا ما يشاؤون أو بالأحرى ما يشاء غيرهم، فهم في مأمن من كل تتبّع و محاسبة. 
     الأمثلة على أنّ سلطة البلاد لم تكن بالشكل الذي أرادته جماهير الثورة ، و لنا في اجتماعات حزب غير قانونيّ و غير مرخّص له دليل آخر على صمت هو بمثابة المباركة و التّأييد دليل على التّهاون في القيام بالواجب الذي تطوّعت لأدائه. ذلك أنّ اختيار الشّعب لنوّابه لم يكن إلا لكتابة دستور جديد جيّد على أساسه سيختار التّونسيّون من سيسيّر شؤونهم في المستقبل . فهل هي سلطة صنعتها ثورة شعب؟ وهل وجدت سلطتا القضاء و الإعلام مكانيهما في حكم ما بعد الثّورة ؟
و من تراهم اولئك المضربين المعتصمين في ولايات الجنوب خاصّة ؟ ما الذي دفعهم إلى إرباك إقتصاد هشّ في الطور الأوّل من أطوار النّقاهة ؟ هل إنّ توفير المزيد من مواطن الشّغل يقتضي تنمية الثّروة أم إفلاس المؤسّسات بتعطيل نشاطها .
    ما هذه السلطة التي تسيّر بلدا يريد القطع مع أساليب الامتصاص التي ذهبت بآمال الكثيرين و صبرهم قبل أن تذهب بثروة البلاد والعباد  أيّ سلطة خلقتها الثورة؟ سلطة إنقاذ أم إغراق؟ فمتى يتأتّى لها أن تمسك بزمام الأمور لتحسن القيادة و التّوجيه؟ .
      

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire