عسير أن تتحدّث لشخص تكنّ له من المحبّة ما تنوء بحمله الجمال و الجبال و دقيق هو الحديث في موضوع يتقرّر به المصير وتستقيم به الحياة . كم هو صعب أن تكون المجرّبَ الذي لا تسمح له تجربته النّاجحة أن يعيبها عند غيره وهو بها سعيد .. ليس من اليسير إذن أن تبدي الرّأي في مسألة أقنعتك و تراها عند غيرك مثيرة للهمّ والغمّ .قد يقول القائل : إنّ طرائق التّعامل مع الأحداث تختلف من شخص لآخر بحسب ثقافته و قوّة شخصيته و تجذّره و اعتزازه بانتمائه وقدرته على الثّبات أمام تقلّبات الحياة و حكمته في مصانعة اللّيالي . لست أنكر أنّ في القول من الاتّزان و بعد النظر النصيب الهامّ ، و مع ذلك فمهما كان الانتماء والاعتزاز بالذات و الثّقة في القدرات فإنّ الاندماج في مجتمع له سحره الهجوميّ و له ذوقه و مثله ينحت شخصيّة المنبهر نحتا كما ينحت الماء في الصّخر و يحفر في النفس كما يثلم حبل الورد، على لينه ، حجرة البئر ،والدّوام ينقب الرّخام كما يقول المثل التّونسيّ ، معنى هذا أنّ المرء معرّض لا محالة لاهتزازات قد لايثبت أمامها وإن تسلّح بما شاء من الثّقافة و الخلق والدّين ومهما كان متّكؤه الحضاريّ ، فينبوع الأصالة قد لا يطفئ ظمأ المتعطـّش لمباهج الحياة و بحبوحة العيش وسهولة العلاقات.
لأجل ذلك أقول ليس من السّهل أن يتحدّث الكفيف عن فضل العين و تناغم الألوان وروعة الغروب، و ليس من السّهل أن يصْدُق المتفضّل في الحديث عن الخصاصة ويمدح شظف العيش وهو يعانق النّعيم ويطأ الطنافس ولباسه حرير. كثيرا ما ردّد النّاس : "من شابه أباه فما ظلم"و أرى أنّ ترديد مثل هذا الشّعار يسيء للطرفين الأب والابن على حدّ السّواء لأنّ الفرع قادر على أن يصنع قدره بعيدا عن المحاكاة البلهاء للأصل ودون الاعتماد على رصيد ه من التّجارب والمغامرات و حتّى تنتفي مقولة :" هذا ما جناه أبي عليّ "وإن لم يفعل أو تكن له نيّة الفعل .
لا شكّ أنّ تجارب الأوائل عبر الأواخر و أنّ الأصول تبقى للفروع نماذج تحتذى. ومع أنّ الرّغبة شديدة في إحاطة الأبناء بسياج من الرّعاية و الحنان ، جارفة كتدفّق النبع لا يمنع نزوله من علوّه مانع فالأولى ألاّ نملي عليهم ما نعتقده يصلح شأنهم ويعزّزموقعهم فإنّهم خلقوا لعصرغيرعصرنا ولهم وسائلهم التي يواجهون بها مشاكلهم ويقرّرون وفقها مصائرهم كيفما شاؤوا وليس للآباء أن يفرضوا نمط عيش وإن بدا لهم الأقوم و الأجدى . فما يراه هؤلاء مناسبا يجده اولئك خلاف ذلك . ومايقتنع به الأب اقتناعا لايتفهّمه الإبن.وما يقدّسه الأوّل يسخرمنه الثّاني وما يعتبره الوالد من الآداب التي تزين يراه المولود من الجمود الذي يشين.
ما العمل إذن وعاطفة الأبوّة تلح علينا ألاّ نستسلم فنسلم فلذات الأكباد إلى فم التنّين ؟ما العمل وانفصال الأبناء عن آبائهم حاصل من يوم يولدون ؟ ما العمل ونحن نردّد قول جبران دون خلفيات :" أبناؤنا ليسوا في الواقع بأبنائنا "؟ يكفي أن لا يحتقر المرء ماضيه و يتنكّر لأصوله ،فإنّ النبتة لا تورق ما لم تحتضن جذورها التربة الدّافئة المغذّية. وأن يدرك أنّه ليس أشقّ على النفس من أن يخطئ العزيزعليها ثمّ يصرّ على أنّه على صواب .
ما العمل إذن وعاطفة الأبوّة تلح علينا ألاّ نستسلم فنسلم فلذات الأكباد إلى فم التنّين ؟ما العمل وانفصال الأبناء عن آبائهم حاصل من يوم يولدون ؟ ما العمل ونحن نردّد قول جبران دون خلفيات :" أبناؤنا ليسوا في الواقع بأبنائنا "؟ يكفي أن لا يحتقر المرء ماضيه و يتنكّر لأصوله ،فإنّ النبتة لا تورق ما لم تحتضن جذورها التربة الدّافئة المغذّية. وأن يدرك أنّه ليس أشقّ على النفس من أن يخطئ العزيزعليها ثمّ يصرّ على أنّه على صواب .

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire